جوزي رماني في الشارع حكايات صافي هاني
هنمشي يا مريم.. بس مش هنسيب ابننا، والدم عمره ما يبقى مية.. وأنا هخلي أحمد يطلق شيرين رسمي لو مكنتش اطلقت، ويرد لك اعتبارك قدام مصر كلها.
خرجوا من المحل وهم بيجروا رجليهم من الخيبة.. وأنا أول ما الباب قفل، انهرت على الأرض وفضلت أعيط، ومصطفى جه تحت باطي وحضني وهو بيقولي ماتعيطيش يا مامي.. أنا جمبك.
عرفت إن المواجهة لسه بدأت، وإن عيلة الشامي مش هيرجعوا القاهرة ب إيد الفاضية بعد ما شافوا الوريث.. بس أنا حطيت عهدي قدام ربنا اللي رماني في رخص ترابي، مش هيطول ضفري في عز نظافتي مرت الأيام وأنا رابطة على قلبي، ومخلية عيني وسط راسي. كنت عارفة إن عيلة الشامي مش هيهدوا، وفعلاً، بعد أسبوع واحد، لقيت المحامي بتاعي بيكلمني وبيقول لي إن أحمد رفع قضية إثبات نسب وطالب بتحليل DNA عشان يثبت إن مصطفى ابنه ويضم حضانته ليه!
الدنيا لفت بيا، اتصلت بالحاج محمود، أبوه، وأول ما رد قلت له بصوت بيترعش من الغل بقى دي دخلتكم بالمعروف؟ عايزين تخطفوا ابني مني بالقانون بعد ما رميتوني؟
الحاج محمود رد بنبرة مكسورة والله يا بنتي ما أعرف، أحمد اتجنن من يوم ما شاف الواد، وبقى زي المضروب سلك في دماغه، مابينامش وبيقفل على نفسه ويقول مصطفى مش هيعيش بعيد عني.. أنا هجيلك الإسكندرية ونتفاهم.
وبالفعل، جالي الحاج محمود لوحده في المحل، قعدت معاه وأنا حاطة شروط ومربّعة إيدي. الراجل طلع دفتر شيكات وورق تنازلات، وقال لي أحمد طلق شيرين طلقة بائنة ورمى عليها يمين الطلاق في المحكمة.. وده ورق بملكية الشقة اللي في التجمع، ومحلين باسمك، وشيك بمبلغ يأمن مستقبلك ومستقبل الواد.. بس بلاش محاكم وفضايح، وخلي أحمد يشوف ابنه.
بصيت للورق وقلت له أنا مش هبيع ابني
وفعلاً، يوم الجلسة في محكمة الأسرة ب مصر الجديدة، الأجواء كانت مشحونة. أحمد جه ومعاه أمه، الحاجة كريمة.. أول ما شافتني، عينيها جت في الأرض، الست اللي كانت بتضربني وتهيني، واقفة قدامي دلوقتي مكسورة، عينيها كلها رجاء وخوف.
قربت مني الحاجة كريمة ودموعها على خدها وقالت بصوت واطي سامحيني يا مريم.. سامحيني يا بنتي، ربنا انتقم مني وجالي المرض وكنت هموت وأنا شايلة ذنبك.. احرمينا من أي حاجة بس بلاش تحرمينا من حتة العيل اللي شايل اسمنا.
أحمد كان واقف بعيد، وشه باهت، باصص للأرض ومش قادر يحط عينه في عيني. القاضي دخل، وقدمنا الأوراق، ووافقت على التحليل بس بشرط واحد ثبتّ في المحضر إن الحضانة الكاملة تفضل معايا، وإن أحمد ملوش حق الرؤية إلا بشروطي وفي مكاني.
بعد شهر، طلعت النتيجة، وبصمات الدم أكدت إن مصطفى ابن أحمد الشامي. المحكمة حكمت بنسب الواد، وبقى اسمه مصطفى أحمد الشامي.
في اليوم ده، بعد ما خرجنا من باب المحكمة، أحمد قرب مني وقال لي بنبرة مكسورة أنا راضي بأي قصاص منك يا مريم.. لو عايزة تسبيني في الرايحة والجاية أنا مستاهل.. بس خليني بس أشوفه مرة واحدة في الأسبوع، من بعيد لبعيد، ومش هقوله إني أبوه لحد ما أنتِ ترضي عني.
بصيت له ولقيت نفسي مش حاسة بأي شماتة، حاسة بس بنظافة ونصر من عند ربنا. سيبتهم ومشيت وأنا واخدة ابني في حضني.
النهاردة، بعد سنة من اليوم ده، مصطفى بيكبر قدام عيني، وأحمد بييجي كل جمعة يقعد في المحل عندي في الإسكندرية، يشتري منه وياكل من إيدي كأنه
الدنيا دارت، واللي افتكروني أرض بور، بقوا يتمنوا كلمة من وريث الأرض دي.. وربنا رجعلي حقي تالت ومتلت ومن غير ما أوسخ إيدي.
وفي يوم من الأيام، وأنا واقفة في المطبخ بجهز أوردر كبير لعقيقة عائلة معروفة في جليك، لقيت أحمد داخل المحل، بس المرة دي ما كانش لوحده.. كانت معاه الحاجة كريمة، شايلاها السنين والمرض، وماشية على عكاز.
أول ما مصطفى شافهم، جِري عليا واستخبى ورايا كالعادة. أحمد وقف على الباب وبصلي بنظرة كلها رجاء وقال مريم.. أمي طالبة منك السماح، هي بتموت وكل أمنيتها في الدنيا إنك تسامحيها قبل ما تقابل ربنا، وتسمحيلها تحضن مصطفى ولو دقيقة واحدة.
الحاجة كريمة نزلت دموعها وراحت ومسكت إيدي وبستها قدام العمال وزباين المحل، الست اللي كانت في يوم من الأيام بتركبني أعلى خيلها وكسرت نفسي، واقفه دلوقتي بتبكي وبتقول سامحيني يا مريم.. ربنا عاقبني بالمرض وحرمني من النوم من كتر كوابيس ذنبك.. سامحيني وبلاش ذنبي يفضل ملاحق ابني أحمد.. هو ملوش ذنب، أنا اللي وزيته وأنا اللي عَميت عينه.
بصيت لأحمد لقيت وشه عرقان وعينه حمرا من كثر البُكا.. وبصيت لمصطفى اللي كان باصص لجدته ومستغرب دموعها.. في اللحظة دي حسيت إن ناري انطفت، وإن ربنا جابلي حقي لحد عندي وزيادة، والشماتة في المرض مش من طبعي.
سحبت إيدي براحة وقلت لها مسامحاكي يا حاجة.. مسامحاكي لوجه الله، عشان مش عايزة يربطني بيكم أي ذنب ولا حساب يوم القيامة..
حسابي معاكم قفلته في الدنيا خلاص.
أحمد حس كأن روحه ردت فيه، وبص لأمه وقال لها سمعتي يا أمي؟ مريم قلبها أبيض وطول عمرها بنت
الحاجة كريمة نزلت لمستوى مصطفى، وفتحت له إيديها وهي بترتعش.. أنا هزيت راسي لمصطفى وطمنته، فمشي خطوتين براحة وحضنها.. الست عيطت بصوت عالي وهزت المحل، وأحمد كان واقف بيبكي وبيبصلي بنظرة ندم وعشق عمري ما شفتها في عينه زمان.
بعد اليوم ده، الحاجة كريمة اتوفت بأسبوعين بس.. راحت لربنا وهي مرتاحة.
وأحمد؟ أحمد مابطلش يجي الإسكندرية، وبقى بيحاول بكل الطرق يثبتلي إنه اتغير.. بقى يشتري ألعاب لمصطفى، ويقعد يتكلم معاه، وبدأ مصطفى يتودد له ويعرف إنه أبوه.. بس أنا فضلت على موقفي.. قلبي اللي اتكسر ليلتها في المطر ومحدش سمى عليه، مش ممكن هيرجع بسهولة.
وفي ليلة، وأنا بقفل المحل وأحمد كان واقف بيساعدني في تنزيل الصاجات، وقف قدامي وقال لي بصوت دافي مريم.. أنا عارف إن السنين اللي فاتت مش هتمسح ليلة المطر، وعارف إني ماستهلكيش.. بس أنا عايش على أمل إنك في يوم تديني فرصة ثانية.. أنا مستعد أعيش هنا في الإسكندرية تحت رجليكي، بس نرجع عيلة.. عشان خاطري وخاطر مصطفى.
بصيت له في عينه، شفت أحمد التاني.. مش أحمد الشامي المغرور بفلوسه وأهله، شفت راشد مكسور وندمان بجد.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت له وأنا باخد شنطتي البيوت اللي بتهدها الأيام يا أحمد، مابتتبنيش في يوم وليلة.. سيب الأيام تداوي، ومصطفى يكبّر، والخير اللي يقدمه ربنا هيكون.
ركبت عربيتي اللي جبتها من شقايا وتغطي غرق المطر، ومشيت وأنا شايفة في مرايتها أحمد واقف بيبتسم، وعنده أمل..
خرجت من الحكاية دي وأنا مش كسراني الدنيا، بل بالعكس.. خرجت وأنا الشيف مريم، الست اللي بدأت من الصفر، وربت ابنها بكرامة، والكل بيعمل لها ألف حساب.. والحمد لله، اللي بيقفل باب بظلم، ربنا بيفتح وراه