الملياردير بعت ورق الطلاق

لمحة نيوز


يا فندم، فريدة هانم لسه رافضة تمضي على الإقرار. المحامي شايف إننا لازم نرفع قضية في المحكمة.
 
مراد فتح بروفايل فريدة. الأكونت كان مقفول بقاله سنين، بس لسبب ما، دلوقتي بقا مفتوح للعامة. كان فيه صور لشوارع إسكندرية، وسما مغيمة، ومحلات قهوة، وشرابات بيبي صغننة، وأسورة المستشفى بتاعة الولادة... وبعدين الصورة دي!
نوح سليم أو زي ما هي كاتبة نوح جيمس..
عمره تلات أسابيع.
مراد حسب الحسبة في دماغه مرة...
وبعدين تانية...
وتالتة، عشان كان فيه جزء جواه بيتمنى إن الأرقام تطلع غلط وتكون بتكذب عليه.
بس الأرقام مابتكذبش!
فريدة كانت حامل لما سابها ومشي!
مسك التليفون المكسور من على الأرض بإيد بترعش، وطلب الرقم الوحيد اللي يقدر يوصل لأي حد في البلد في ثواني ومن غير شوشرة.
قال أول ما الخط فتح أكرم.. عاوز عنوان حالا.
أكرم، رئيس جهاز الأمن عنده والظابط السابق، مبيسألش أسئلة ملهاش لازمة عنوان مين يا فندم؟
فريدة.
أكرم سكت لثانية المدام؟
مراد رد اتوماتيك طليقتي.
أكرم قال له مش هتبقى طليقتك طول ما ورق الطلاق متمضاش.
الكلمة دي غزت قلب مراد ووجعته أكتر مما يتخيل.
هاتها لي يا أكرم.. اعرف طريقها.
هي في خطر يا فندم؟
مراد بص لصورة البيبي تاني وقال لا... أنا اللي في خطر.
على الفجر، مكنش جاله نوم. قعد

يلف في الشقة لحد ما أنوار القاهرة بدأت تطفي والشمس تشقشق. الساعة ٦١٢ الصبح، أكرم كلم جرس تليفونه.
وقال له هي في الإسكندرية، في منطقة محرم بك. قاعدة في شقة صغيرة في عمارة قديمة. وبتشتغل كام ساعة في الأسبوع في مركز استشارات نفسية تبع جمعية خيرية. مفيش أي قضايا مرفوعة منها، ومفيش أي ورق جواز جديد. وسجلات مستشفى الولادة بتقول إنها ولدت من تلات أسابيع.
مراد غمض عينيه ونفسه انقطع
واسم الأب اللي مكتوب في شهادة الميلاد؟
ساد الصمت في الهاتف لثوانٍ بدت لمراد كأنها دهر كامل، ولم يكن يسمع سوى صوت دقات قلبه التي كانت تسابق الزمن.
أكرم بنبرة هادئة وثابتة اسم الأب اللي مكتوب في دفاتر مستشفى الولادة وفي شهادة الميلاد المؤقتة هو مراد سليم الجارحي يا فندم. فريدة هانم ما أنكرتش نسب الولد ليك، ولا حاولت تخبيه باسم مستعار.. هي بس خبيته عن عالمك.
مراد شعر بغصة خنقت حلقه، وتراجع خطوة لورا حتى استند إلى مكتبه العريض. فريدة لم تكن تنتقم، ولم تكن تلعب لعبة قذرة لتساومه على مبالغ التسوية الطلاقية التي كان يرسلها مع المحامين طوال ٨ أشهر وكان يظن أنها ترفضها طمعاً في المزيد. الحقيقة كانت أشد نقاءً وجارحة لكبريائه هي كانت ترفض أمواله لأنها لم تكن ترى فيها قيمة، وكانت تحمي ابنه من سيرك المظاهر والنفوذ الذي
خنق زواجهم.
قفل مراد السكة، والتفت إلى فهد، سائقه وحارسه الشخصي الذي كان يقف عند الباب مستعداً
مراد بصوت حاد وآمر فهد.. ألغي كل اجتماعات مجلس الإدارة النهاردة. كنسل ميعاد الوفد الألماني، وقول للسكرتير إن أي تليفون يجيلي يتحول لمكتبي الشخصي ومحدش يكلمني.. إحنا مسافرين إسكندرية حالا.
الساعة كانت ١١٤٥ الظهر لما وقفت عربية مراد الروز رايز السوداء الفخمة في أحد الشوارع الجانبية القديمة لمنطقة محرم بك في الإسكندرية. مظهر العربية والموكب الصغير لرجال الأمن بملابسهم المدنية جعل سكان الحي البسيط يتهامسون ويقفون في البلكونات بفضول وذهول؛ هذا الحي لم يعتد على دخول الحيتان وأصحاب المليارات.
ترجل مراد من عربته، قلع نظارته الشمسية، وبص للعمارة القديمة ذات الطابع الإيطالي العتيق. المصعد كان معطلاً، فصعد درجات السلم الحجرية العريضة بنفسه، ورفض أن يتقدمه أي حارس. كان يريد أن يشعر بثقل كل خطوة تخطوها قدمه نحو المرأة التي أضاعها بغروره.
وقف أمام الباب الخشب البني في الدور الثالث. كان هناك جرس نحاسي صغير، وعلى الباب لافتة صغيرة مكتوب عليها بخط يدها الرقيق مسكن فريدة الغنام.. اسمها هي، وليس اسمه هو.
ضغط على الجرس بإيد مرتعشة.
انفتح الباب ببطء.
لم تكن فريدة ترتدي الفساتين الغالية التي كان يشتريها
لها من دور الأزياء في باريس لترافقه في الحفلات؛ كانت ترتدي عباءة قطنية بيضاء رقيقة، وشعرها الذهبي ملفوف بإهمال وراء رأسها، وعلى كتفها فوطة صغيرة تخص الأطفال، وتفوح منها ريحة بودرة الأطفال والفانيليا.
أول ما وقعت عيناها على مراد، تجمدت مكانها. لم تصرخ، ولم تظهر ملامح ذعر أو شماتة، بل ساد وجهها الشاحب هدوء مخيف، ونظرت إليه بعينين مليئتين بتعب السنين وخيبة أمل لم تمحها الأيام.
فريدة بجفاف وبرود قارس مراد؟ إنت جيت هنا إزاي؟ ومين ادالك الحق تعتب باب بيتي؟
مراد لم يجد الكلمات. الرجل الذي يقف أمام كبار المستثمرين ليفاوضهم بثقة عمياء، وقف الآن وتلعثم كطفل صغير
مراد بصوت مبحوح فريدة.. أنا شفت الصورة. شفت نوح.
فريدة ابتسمت ابتسامة مريرة، وحاولت قفل الباب في وجهه الظرف التامنتاشر بتاع الطلاق لسه متمضاش يا مراد، لو جاي عشان كدة، المحامي بتاعي هيستلم الورق. اتفضل امشي من هنا.
لكن مراد وضع يده القوية على حافة الباب ومنعه من الإغلاق، ودخل الشقة الصغيرة من غير إذنها.
الشقة كانت صغيرة جداً، لكنها كانت تفيض بالدفا. صالة بسيطة فيها كنبة قطيفة خضراء، زرع أخضر مالي البلكونة، وصوت غسالة صغيرة شغال في الخلفية. وعلى سرير هادي في زاوية الأوضة، كان البيبي نوح نايم بسلام وهو لابس شراباته الصغننة.
مشى
مراد نحو السرير بخطوات بطيئة كأنه يقترب
 

تم نسخ الرابط