جوزي وامه طردوني

لمحة نيوز

 

ضحكة واحد شايفك عبء.

— “٣٠٠ جنيه؟! أنا بدفع أكل وميكانيكي طول الشهر. فلوسك راحت فين؟”

بصيتله مصدومة:
— “إنت قولت إنك هتصرف علينا.”

اتعصب فجأة:
— “مش بالكامل!”

حماتي ظهرت من باب المطبخ وقالت وهي مكتفة إيديها:
— “إنتِ طول الوقت عايزة فلوس. طمعانة جدًا.”

في اللحظة دي…

حاجة جوايا اتكسرت.

بعد ما نزفت عشان بنتهم.

وسهرت عشان بنتهم.

وبقيت ألف بيها الشقة الساعة ٣ الفجر عشان تسكت…

يبقى اسمي “طماعة” عشان بطلب فلوس أجيب بيها لبن؟

قمت بسرعة لدرجة إني دوخت ومسكت الكرسي.

— “أنا بطلب لبن لبنتك يا رامي… حفيدتك يا مدام إلهام. ولسه محتاجة فوط عشان جسمي متخيط.”

وش رامي بقى بارد.

وحماتي قلبت عينيها بملل.

صرخت وأنا دموعي نازلة:
— “أنا سيبت شغلي ومرتبّي وحياتي عشانكم! إنتوا اللي وعدتوني إنكم هتسندوني!”

رامي خبط على الرخامة بعنف:
— “إحنا كنا عايزين وريث… مش مصاريف زيادة.”

أما حماتي…

فقالت أبشع جملة سمعتها في حياتي:

— “إحنا كنا عايزين ولد.”

سكت البيت كله.

حتى جهاز مراقبة البيبي كان صوته واضح وسط الصدمة.

بصيتلهم وأنا مش مستوعبة.

— “إنتوا بتتكلموا عن بنت عندها شهر؟!”

رامي شاور ناحية الباب وقال ببرود:
— “لو مش عاجبك الوضع… الباب يفوّت جمل.”

وبعدها بدقايق…

لقيت نفسي أنا وبنتي واقفين بره البيت.

وشنطتي مرمية جنبي.

لكن لا هو… ولا أمه…

كانوا يعرفوا إن اللحظة اللي خرجت فيها من الباب…

كانت بداية نهايتهم هما.

وقفتُ على الرصيف في ليلة من ليالي مايو ٢٠٢٦ الباردة، جرح عمليتي القيصرية بيشد عليا وأنفاسي محروقة

من القهرة، وضامة بنتي جيجي الصغار لصدري بكل قوتي وهي بتعيط من الجوع. رامي قفل الباب في وشي بعنف، ومن ورا الشباك لمحته وهو بيبتسم لأمه إلهام بنصر زائف كأنهم خلصوا من عبء تقيل.
لكن الضحكة دي مكملتش ميت ثانية بالظبط.
فجأة.. وبدون أي مقدمات، سرينة الإنذار الحاد بتاعة الجراج وبوابة الفيلا الإلكترونية بدأت تصرخ بجنون! أنوار الفيلا كلها انطفت، وبوابات الأمن الحديدية المقفولة نزلت وقفت مكانها كأنها حصار.. والفيلا كلها غرقت في ضلمة كحل.
سمعت صوت رامي وهو بيفتح الباب تاني بيجري برعب وهو ماسك تليفونه، وراه أمه بتصرخ: «رامي! النور قطع ليه؟ والتكييفات وقفت في ثانية ليه والحرارة قادت؟!»
في نفس اللحظة دي، عربية مرسيدس سوداء فخمة وقفت قدام الرصيف بالظبط، ونزل منها الأستاذ **"عاصم الهواري"**، المستشار القانوني للشركة العالمية اللي كنت بشتغل فيها قبل الاستقالة، ومعاه محضر تنفيذ قضائي واثنين من رجال الأمن الإداري!
الأستاذ عاصم جرى عليا، قلع البالطو بتاعه وحطه على كتفي وعلى بنتي جيجي برفق شديد، وبص لرامي وأمه اللي كانوا واقفين على عتبة الباب مذهولين وشاحبين الوجوه كالكفن.
— الأستاذ عاصم بصوت جهوري هز الشارع: «مدام ياسمين.. الحمد لله إني وصلت في الميعاد. اتفضلي معايا في العربية إنتي والبيبي حالا.. والباشوات دول حسابهم بدأ بقوة القانون من دقيقة واحدة!»
رامي تقدم بتلعثم ورعب وهو بيبص لعاصم وبصلي: «عاصم بيه؟! إنت بتعمل إيه هنا في بيتي في نص الليل؟ وإيه سرينة الإنذار اللي قفلت الفيلا دي؟!»
ضحكتُ ضحكة نصر صافية تثلج الصدور، مسحت دموعي
ورفعت راسي للسما بكل شموخ وعزة نفس، وقربت منهم وقُلت بنبرة حادة كالموس:
— ياسمين: «بيت مين يا رامي بيه؟ إنت من غبائك وغرورك افتكرت إن الست اللي سابت شغلها بـ ١٢٠ ألف جنيه في الشهر عشان تعمل عيلة، هبلة ومبتفهمش في الأصول! الفيلا الفخمة دي، وعربيتك المرسيدس اللي في الجراج، والأرض اللي قايم عليها مشروع ورشتك الجديد.. كلها مسجلة باسم الشركة العالمية بتاعتي كـ (مزايا عينية ومكافأة نهاية خدمة) تم تحويل ملكيتها باسمي الشخصي من أسبوعين بالملي!»
تابعتُ وأنا بشاور للأستاذ عاصم: «والتوقيع اللي أنا وقعته من وراك في مكتب المحامي العام الصبح.. كان طلب قطع المرافق المباشر وإلغاء عقود الإيجار والتمكين المجاني لعدم الأهلية وغدر الأمانة!»
إلهام (حماتي) حطت إيدها على بوقها بصدمة، ووقعت على ركبها على عتبة الباب وهي بتلطم على وشها بانهيار لما لقت برستيج الفخامة والنرجسية بيطير في الهواء في ثوانٍ:
— حماتي بعياط هستيري: «الفيلا باسمك إنتي يا ياسمين؟! إحنا نطرد برة في الضلمة؟ رامي.. اتصرف! قولها إحنا أهلك وفرحانين بجيجي!»
الرائد **"عمر الألفي"**، اللي كان واصل بسيارة شرطة النجدة بناءً على بلاغ الطرد والعنف الأسري اللي عاصم قدمه الصبح، تقدم وحط الكلبشات في إيد رامي فوراً بتهمة التعدي ومنع وصول الرعاية لطفلة رضيعة وتبديد أموال حاضنة:
— الرائد عمر بصرامة: «اتفضل معانا يا رامي بيه.. قدامكم بالظبط ٢٤ ساعة تلموا هدومكم القديمة من الفيلا دي، وبند الحظر الجنائي شغال من الصبح على حساباتك لتسديد مصاريف الولادة والنفقة المتأخرة لبنتك (جيجي)
اللي استكترت عليها ٣٠٠ جنيه لبن!»
رامي سقط على الأسفلت المبلول تحت رجلي يبكي ويتوسل بانهيار وذل: «ياسمين! أرجوكي بلاش الحبس والفضيحة! أنا بحبك وبموت في بنتي جيجي! أمي هي اللي وزتني وقالت لي اكسر مناخيرها عشان متتنططش علينا بمرتبها القديم! أنا ضعت!»
نظرتُ إليه باحتقار صافٍ، وعدلت وضع بنتي النايمة بسلام في حضني، وقُلت له:
— «إحنا كنا عايزين راجل يصون الأمانة يا رامي.. مش ندل يستقوى على ست والدة في نفاسها.. خذ الأبوة المزيفة بتاعتك، واطلعوا برة حياتي بالنظافة.. المرة دي للأبد!»
تم اقتياد رامي بالكلبشات في سيارة الشرطة وسط فضيحة رنت في الكومباوند كله وصدمت كل معارفهم، واضطرت إلهام تلم شنطها القديمة وتعيش مع ابنها في شقة إيجار ضيقة جداً في أطراف القاهرة، وعاشوا في فقر ونكد مالي ينهش في قلبهم بعد ما طارت أحلام الوريث والفيلا الكدابة.
أما أنا.. "ياسمين"..
فرجعت من بكرة الصبح لمكتبي الكبير في الشركة العالمية، بمرتب أعلى وبصلاحيات رئيسة مجلس الإدارة الإقليمي وراسي فوق السحاب. الفيلا رجع ليها النور والدفا، وجبت لأحسن بنوتة في الدنيا "جيجي" أكبر علب لبن صناعي ومربيات ورعاية كاملة، وبتكبر قدام عيني في أمان ونور ملوش حدود.
وفي صباح يوم دافئ، كنتُ قاعدة في التراس، وبنتي جيجي نايمة في حضني وبتضحك بنقاء، وبصيت للسما وقلت: «الحمد لله».
اتعلمت ياسمين إن مصدر أمان الست هو كرامتها وشغلها ونفسها العزيزة؛ والراجل اللي يبيع مراته وبنته عشان ٣٠٠ جنيه وعقدة الولد، ربنا سبحانه وتعالى بيبهدله ويهد عرشه في ثوانٍ معدودة. وعشت أنا وبنتي
فوق السحاب بالحق والرحمة والنور والكرامة العظيمة التي لا تموت للأبد.
**تمت.**
 

تم نسخ الرابط