العيله هي السند حكايات صافي هاني
بابا جاله مغص كلوي حاد ومحتاجين ندخله مستشفى خاص فوراً، والفيزا المشتركة واقفة ومش معانا فلوس، ومحدش من ال 92 واحد بتوع العيلة راضي يسلفنا جنيه ولا يرد علينا! أنتي فين؟
ابتسمت، وقفلت التليفون تاني، ورجعت أشرب قهوتي في هدوء بيتي... اللي بقى بتاعي وبس.
الرسالة دي كانت بتأكد لي حاجة واحدة بس إن العيلة هي السند الأبدي دي كانت مجرد يافطة ب 50 جنيه اتعلقت على بيتي، مش حقيقة خالص. لما احتاجوا فلوس، ال 92 بني آدم اللي كانوا بياكلوا ويشربوا ويشخبطوا على حيطاني، فجأة كلهم عملوا من بنها ومحدش فيهم رفع سماعة التليفون.
شربت بق من القهوة، وبصيت على الموبايل وهو بينور تاني في إيدي. مكالمة ورا مكالمة من مدحت، وبعدها رنات من تليفون أمي.
كنت قادرة أحس بضربات قلبي سريعة، مش خوف، بس الأدرينالين بتاع ممرضة الطوارئ اللي جوايا اشتغل. أنا متعودة أنقذ حياة الناس، وده اللي كان مخلي الكل يستغلني. بس المرة دي الوضع مختلف.
فتحت الكيبورد وكتبت لمدحت رسالة واحدة
اطلبوا الإسعاف، ده مستشفى حكومي ومجاني وهيستقبلوه فوراً. بلاش منظرة ومستشفيات خاصة بفلوس مش معاكم.
رد في ثانية كأنه كان مستني الرسالة
إسعاف إيه ومستشفى حكومي إيه يا إيمان! أنتي عايزة تبوظي برستيجنا
الرسالة دي خلتني أضحك بصوت عالي وسط الصالة الفاضية. لسه بيفكروا في البرستيج والمنظرة وهم مش معاهم يدفعوا تمن الكشف! ولسه فاكرني البنك الذكي اللي هيقذهم كل ما يقعوا.
كتبت له
أنا مش هفتح فيزا، ومش هحول فلوس. البرستيج بتاعكم مش على حساب صحتي وشقايا. اطلب الإسعاف يا مدحت، عشان لو بابا حصله حاجة بجد، هتبقى أنت السبب عشان خايف على برستيجك.
وعملت بلوك تاني.
قفلت التليفون ورميته على الكنبة. قمت، شغلت غسالة السجاد عشان أشيل بقعة الشربات، وفتحت الشبابيك عشان أطير ريحة المهرجانات والعزومات اللي كانت خانقة البيت. لأول مرة من سنين، حسيت إني بتنفس هوا نضيف، هوا بتاعي لوحدي. عرفت قيمتي، وعرفت إن السند الحقيقي مش بالعدد، السند هو اللي بيحترم حدودك وبيشيلك في وقت الجد، مش اللي بيزور إمضتك عشان يعمل لقطة على حسابك.
بعد ساعة زمن، الباب خبط.
فتحت وكنت متوقعة ألاقي البوليس أو مدحت جاي يعمل مشكلة، بس لقيت جاري عم أحمد، راجل غلبان وطيب وعايش لوحده في الشقة اللي قدامي. كان شايل في إيده طبق كيكة سخنة.
بص لي
في اللحظة دي، عيني دمعت. ال 92 بني آدم اللي من دمي ولحمي دخلوا بيتي وخربوه ونهبوا خيري وزوروا إمضتي، ومحدش فيهم فكر يسأل أنا واكلة ولا شاربة ولا نايمة فين. وجاري اللي ماليش صلة قرابة بيه هو اللي حس بيا وجبر بخاطري.
أخدت منه الطبق وأنا بشكره من كل قلبي، وقفلت الباب ودخلت. قعدت أكلت حتة الكيكة وأنا حاسة بسلام داخلي رهيب.
عدى شهر، وشهرين، وتلاتة... ومحدش منهم عرف يوصلي. غيرت رقم تليفوني خالص، وسبت الرقم القديم مقفول وفتحت رقم جديد للشغل وأصحابي القريبين بس. عرفت من بعيد لبعيد من قرايب من ناحية تانية إن أبويا خف وبقى زي الفل، وإن موضوع المغص الكلوي ده كان حجة وضغط نفسى عشان أفتح الحنفية وتدفق الفلوس يرجع تاني. وعرفوا كلهم إن إيمان الطيب الهبلة ماتت، وصحيت مكانها إيمان اللي بتعرف تقول لأ في الوش.
الحكاية مش إنك تقطع رحمك، الحكاية إنك تقطع الإيد اللي بتمتد لخصوصيتك وتسرق راحتك باسم صلة الرحم.
فاتت سنة كاملة على اليوم ده. سنة بحالها وأنا عايشة في هدوء ما حلمتش بيه قبل كده. نظفت بيتي، صلحت الحيطة اللي كانت متكتب عليها، والسجادة بتاعة جدتي رجعت زي الفل بعد ما غسلتها كذا مرة. الأهم من كل ده، إني بقيت برجع من نبطشيات الطوارئ الصعبة وأنا عارفة إن ورا الباب ده مستنيني مملكتي الخاصة.. أماني وراحتي.
في يوم، وأنا راجعة من الشغل، لقيت جواب محطوط تحت الباب. مكنش عليه طابع بريد، يعني حد جابه بنفسه وحطه. فتحته وأنا قلبي مقبوض شوية.
الجواب كان من أمي.
خطها كان مهزوز، وكاتبة فيه
يا إيمان يا بنتي.. أنا عارفة إننا غلطنا في حقك، ومدحت غلط لما زور إمضتك. بس إحنا كنا فاكرين إنك عيلتنا الكبيرة وضهرنا اللي بنتباهى بيه قدام الناس. أخوكي مدحت اترفد من شغله، وأبوكي صحته على قده، والبيت من غيرك ملوش طعم ولا بركة. إحنا مش عايزين منك فلوس والله، إحنا بس عايزين بنتنا ترجع لنا.. العيد قرب ومينفعش نقضيه وأنتي بعيدة عننا. فكري يا بنتي، العيلة ملهاش غير بعض.
قعدت على الكنبة والجواب في إيدي. للحظة، الممرضة الحنينة اللي جوايا تحركت، وحسيت بنغزة في قلبي.