العيله هي السند حكايات صافي هاني

لمحة نيوز


منظر بيتي وهو مستباح، ومنظر مدحت وهو بيزعق فيا ويقولي بلاش نكد، وأبويا وهو بيمهد لسرقتي باسم العيلة، فقت علطول.
هما مش ندمانين على اللي عملوه فيا، هما ندمانين على المميزات اللي خسروها لما أنا مشيت. ندمانين على البنك اللي قفل حنفيته، والممرضة اللي كانت بتخدمهم ببلاش.
أخدت الجواب، وحطيته في درج المكتب جنب العقد المزور بتاع مدحت. مش هرد، ومش هسافر لهم في العيد، ومش هرجع تاني لدوامة الاستغلال دي.
أنا مش قاسية، وأكيد مش هسيب أبويا وأمي لو جرالهم حاجة بجد تمس حياتهم، بس مكاني مش هيبقى وسطهم تاني. هساعد من بعيد لبعيد لو الأمر مستاهل، بس حدودي وبيتي وخصوصيتي خط أحمر محدش هيعديه تاني.
بصيت من الشباك على الجنينة الفاضية والهادية، وابتسمت وأنا بفتكر اليافطة القديمة. العيلة

فعلاً ممكن تكون سند، بس لما تكون عيلة بجد.. مش مجرد ناس رابطهم دم واحد، وكل واحد فيهم بيدور على مصلحته على حساب التاني مرت سنتين كمان، وبقيت حاسة إن حياتي اتقسمت نصين حياتي قبل يوم ال 92 قسيم، وحياتي بعده. النصف التاني ده كان أحسن بكتير، هادي ومستقر وفيه إنجازات حقيقية ليا أنا، مش تضحيات لغيري. اترقيت في المستشفى وبقيت رئيسة تمريض قسم الطوارئ، واشتريت عربية جديدة من شقايا، وبقيت بطلع رحلات وأسافر في الإجازات من غير ما أحس بذنب إني مش بصرف على حد.
وفي يوم جمعة، كنت بشتري طلبات من سوبر ماركت كبير بعيد عن منطقتي شوية، ولمحت واحدة ست واقفة قدام تلاجة الأجبان بتبص للأسعار ومحتارة. لما قربت، لقيتها خالتو سناء.. واحدة من ال 92 اللي كانوا منورين بيتي ويأكلوا من خيري.
أول
ما عيني جت في عينها، اتخضت وبانت عليها اللهفة، وقربت مني بسرعة وقالت إيمان! عاش من شافك يا بنتي! كبرتي وحلويتي وعربيتك بره تجنن.. ما شاء الله.
ابتسمت ابتسامة هادية وقلت أهلاً يا خالتو، الحمد لله كله تمام.
بدأت تشتكي وتفضفض وكأن مفيش أي حاجة حصلت زمان والله يا بنتي العيلة حالها اتلخبط من بعدك. مدحت أخوكي سافر يشتغل في الخليج ومبيبعتش حاجة، وأبوكي وأمك قاعدين لوحدهم والعيشة غليت، واللمة مبقاش ليها طعم.. مفيش حد بيجمعنا زي الأول ولا بيشيل همنا.
كنت بسمعها وأنا حاسة برضا غريب. مكنتش شمتانة، بس كنت ممتنة لنفسي إنني أخدت الموقف ده زمان. لو كنت ضعفت وسامحت، كنت زماني دلوقتي مديونة ومطحونة عشان أرضي الناس دي، وهم لسه شايفين إن من حقي أشيل همهم!
بصيت لها وقلت بكل ذوق ربنا
يصلح الأحوال يا خالتو، كل واحد بيشيل شيلته في الآخر.
أول ما حست إني مش هفتح السيرة ولا هقول طب هجيب لكم إيه، نبرة صوتها اتغيرت وبقت باردة، وقالت على العموم يا بنتي، ربنا يهديكي وترجعي لأهلك، برضه العرق بيمد لسابع جد، والواحد ملوش غير ناسه.
مشيت وسابتني. ركبت عربيتي وسوقت وأنا مشغلة أغنية هادية. رجعت بيتي، قفلت الباب ورايا، وبصيت للصالة النضيفة والمترتبة.
القصة مش قصة قساوة قلب، القصة إنك لما بتسيب ناس تستغلك باسم صلة الرحم، أنت كده بتظلم نفسك. أنا قفلت الباب ده عشان أعيش، والنهاردة وأنا قاعدة في بيتي بسلام، عرفت إن العيلة مش مجرد صلة دم، العيلة هي اللي بتصونك وتحميك، مش اللي بتستغل طيبتك وتزور إمضتك.
قعدت على كنبتي المفضلة، أخدت نفس عميق، وابتسمت للهدوء اللي بقيت
بعشقه.

تم نسخ الرابط