طليقتي جات تزورنا حكايات صافي هاني
عشرة، يوسف بدأ يكبس عليه النوم. نهى دخلت معاه أوضته عشان تنيمه، وأنا قعدت في الصالة مستنيها تخرج عشان تمشي. الوقت سرقنا، والساعة دخلت في حداشر ونص وهي لسه جوه. قمت وفتحت الباب براحة، لقيتها نامت جنبه على السرير من كتر التعب، وإيدها لسه حاضناه.
مكنش ينفع أسيبها نايمة في أوضته، وفي نفس الوقت مكانش ينفع تمشي في وقت متأخر وزي دي وهي مش قادرة تفتح عينيها. صحيتها براحة، فتحت عينيها وهي مشوشة. قلتلها بصوت واطي نهى.. الوقت تأخر وأنتِ تعبانة، مش هينفع تسوقي للتجمع دلوقتي. نامي على الكنبة في الصالة الليلة دي.
هزت راسها بالموافقة من غير ما تجادل، ودا عرفني قد إيه هي مهدودة. جبتلها بطانية ومخدة، وظبطت لها الكنبة، وسيبتها ودخلت أوضتي وقفلت الباب.
على الساعة اتنين بعد نص الليل، قمت عشان أشرب. البيت كان هادي تماماً وضلمة، مفيش غير نور الشارع الخفيف اللي داخل من الشباك. وأنا معدي في الطرقة القريبة من الصالة، سمعت الصوت ده.
مكانش صوت حركة، ولا صوت فرجة على التليفزيون.
كان صوت عياط مكتوم.
وقفت في مكاني مش قادر أتحرك. نهى كانت دافنة وشها في المخدة وبتعيط بحرقة، بس بتحاول بكل قوتها إن صوتها ميتطلعش عشان متصحيش حد. العياط ده مكنش مجرد زعل عادي، كان
فضلت واقف لثواني مش عارف أعمل إيه.. هل أدخل وأطمن عليها؟ ولا أعمل نفسي مسمعتش حاجة عشان جرح كرامتها؟ في النهاية، رجعت أوضتي بالراحة وقعدت على السرير في الضلمة، وصوت شهقاتها المكتومة لسه بيرن في ودني.
لما الشمس طلعت وصحيت، لقيت الصالة فاضية والبطانية متطبقة ومحطوطة بنظام على الكنبة. نهى مشيت بدري قبل ما أنا أو يوسف نصحى، وسابت ورقة صغيرة على السفرة مكتوب فيها شكراً يا أحمد.. أشوفكم السبت.
بصيت للورقة، وحسيت إن السور اللي بقالي سنتين ببني فيه بالطوبة عشان أنسى وأعيش في سلام، انهار تماماً. مكنتش قادر أشيل من بالي فكرة إنها بتمر بحاجة صعبة لوحدها، وإن الهدوء اللي كنا عايشين فيه مكانش حقيقة، كان مجرد مسافة إحنا اللي خلقناها.
قعدت على كرسى السفرة وبصيت على كوباية الشاي اللي في إيدي، وفضل يوسف نايم جوه ولا حاسس بأي حاجة من اللي بتحصل حواليه.
طول اليوم وأنا مش عارف أركز في أي حاجة، كلامها، عياطها المكتوم، والورقة الصغيرة اللي سابتها.. كل ده عمال يلف في دماغي ومابيوقفش. يوسف صحي وفضل يسأل عليها هي ماما مشيت امتى يا بابا؟ قلتله إن كان وراها مشوار مهم وهتيجي تاخده بكره زي ما كنا متفقين.
يوم السبت الصبح، جرس الباب رن في نفس ميعادها المعتاد.
فتحت الباب، كانت واقفة ولابسة نضارة شمس سودا مخبية عينيها، وبتحاول ترسم على وشها الابتسامة الطبيعية اللي بنقابل بيها بعض كل أسبوع.
جاهز يا جو؟ قالتها بصوت عالي وهي بتبص ليوسف اللي كان بيجري يجيب شنطته.
يوسف خرج جري وركب العربية، وفضلنا أنا وهي واقفين على الباب لوحدنا لكام ثانية.
قلت لها بصوت واطي وهادي نهى.. أنتِ كويسة؟
اتشغلت في قفل السوستة بتاعة الشنطة اللي في إيدها وقالت وهي مابتجيبش عينها في عيني آه طبعاً، الحمد لله. ضغط شغل بس مش أكتر، شكراً على استضافة امبارح وتعبتك معايا.
أنا سمعتك امبارح بالليل.
الكلمة طلعت مني من غير ما أفكر، بس كانت لازم تطلع.
إيدها وقفت مكانها، ورفعت راسها وبصت لي من ورا النضارة. اللحظة دي كان فيها كمية سكوت غريبة، كأن الزمن وقف بينا في ممر الشقة. قلعت النضارة، وبان إن عينيها لسه منفوخة وتعبانة.
نزلت عينيها الأرض وقالت بنبرة مكسورة أول مرة أسمعها منها من يوم ما اتطلقنا أنا تعبانة أوي يا أحمد.. بمر بفترة صعبة في الشغل ومشاكل تانية كتير، وحاسة إني لوحدي تماماً ومفيش حد ساندني.. ومكنتش قادرة أبان ضعيفة قدام يوسف.
حسيت إن كل البرود والمسافات اللي صنعناها
مديت إيدي وحطيتها على كتفها بهدوء وقلت لها إحنا يمكن منفعناش نكون زوج وزوجة يا نهى.. بس ده ميعنيش إنك لوحدك. أنا هنا، ويوسف هنا، وإحنا لسه عيلة بشكل أو بآخر. لو احتجتي أي حاجة في أي وقت، بيتك ومكانك موجودين.
بصت لي وعينيها لمعت بالدموع، بس المرة دي كانت دموع راحة مش وجع. هزت راسها وقالت شكراً يا أحمد.. بجد شكراً.
لبست نضارتها تاني، ومشيت رايحة للعربية وهي خطوتها أخف بكتير من امبارح. وقفت أنا على الباب أراقب عربيتها وهي بتبعد، ولأول مرة من سنتين، حسيت إن الشرخ اللي اتشرخ في السور بتاعي مكانش حاجة وحشة.. بالعكس، ده كان الباب اللي رجع بيننا الإنسانية والرحمة اللي كنا محتاجينهم.
رجعت دخلت الشقة وقفلت الباب ورايا. المكان رجع هادي تاني، بس مبقاش هدوء غريب أو كئيب زي الأول. لأ، كان هدوء فيه نوع من السكينة، كأن في حمل ثقيل كان متشال فوق كتافنا وإحنا الاتنين نزلناه في الأرض.
دخلت المطبخ وبدأت ألم الكوبايات وأظبط المكان. غسلت الكوباية اللي شربت فيها قهوتها، ومسحت الرخامة، وأنا بعمل كل ده وأفكاري بدأت