طليقتي جات تزورنا حكايات صافي هاني

لمحة نيوز


من شهور. السنتين اللي فاتوا كنت حابس نفسي في قالب الراجل القوي الصامد اللي مبيتهزش، الراجل اللي طلق وبنى حياته من جديد ومبيفكرش في الماضي. كنت فاكر إن الجمود ده هو الشطارة، وإن المسافات والجفاء هما اللي هيحموني أنا ويوسف.
بس الحقيقة اللي فهمتها النهاردة، إن الطلاق مش معناه إننا نتحول لأعداء أو لغُرايب ميعرفوش عن بعض حاجة. إحنا بينا عشرة، وبينا طفل هو أغلى ما نملك، والرحمة والإنسانية مبيتطلقوش.
عدى اليومين بتوع الويك إيند وأنا بتابع يوسف بالتليفون كالعادة، بس نبرة صوت نهى المرة دي كانت مختلفة.. كانت أهدى، ومفيش فيها الحذر والتحفُّظ اللي كان بيميز مكالماتنا الرسمية السابقة.
يوم الأحد بالليل، يوسف رجع البيت. دخل جري عليا وحضني وهو بيضحك بابا! أنا وماما روحنا الملاهي ولعبنا كتير أوي!. بصيت وراه، لقيت نهى واقفة عند الباب. مكانتش لابسة نضارة الشمس، وعينيها كان فيها لمعة رضا حقيقية.
شاورتلي بابتسامة خفيفة وقالت تصبح على خير يا أحمد.
رديت عليها بنفس الابتسامة وأنتِ من أهله يا نهى.. سوقي براحة.
قفلت الباب وبصيت ليوسف وهو بيطلع كتبه عشان يجهز لشنطة المدرسة بتاعة الصبح. حسيت إن البيت مابقاش واسع وفاضي عليا زي زمان. السور اللي انهار مسبش وراه خراب، بالعكس، ساب مساحة جديدة عشان نعيش فيها بسلام.. مساحة تخلي ابنا يتربى بين أب وأم محترمين، حتى لو مش عايشين تحت سقف واحد.
من اليوم ده، شكل علاقتنا اختلف تماماً.


الأبليكيشن والنتيجة المشتركة لسه موجودين وبنظّم بيهم المواعيد، بس مبقوش هما الطريقة الوحيدة للكلام. بقينا ممكن نبعت لبعض رسالة عادية على الواتساب؛ صورة ليوسف وهو بيعمل حاجة تضحك في المدرسة، أو فويس نوت سريع بنطمن فيه على بعض لو حد فينا عنده ضغط شغل.
الحواجز النفسية اللي كنا بنعافر عشان نثبت بيها لنفسنا وللناس إننا تخطينا الصدمة اتكسرت، وحل مكانها نوع من النضج الهادي والمريح للكل، وبالذات ليوسف.
يوسف بقى يحس بالراحة دي في الجو.. مابقاش يشوف نظرات القلق الحذرة بين أبوه وأمه وقت التسليم والتسلم، بقى يشوف اتنين كبار بيحترموا بعض وبيبتسموا لبعض بصدق. وبقى يسأل عن أمه وهو معايا من غير ما يخاف إنه يضايقني، وأنا بقيت أجاوبه برحابة صدر وأقوله كلم ماما طمنها عليك.
في يوم جمعة بعد حوالي شهرين، كان يوسف نايم وصحيت بدري على صوت خبط خفيف على الباب. فتحت، لقيت نهى واقفة وجايبة معاها علبة فيها الفطير المشلتت اللي أنا بحبه من مكان معين كنا بنروح له زمان.
بصت لي بابتسامة صافية وقالت كنت قريبة من هناك واشتريت ليوسف وليك فطار.. قلت أعدي أديهولكم قبل ما أنزل الشغل.
أخدت منها العلبة وقلت لها تسلم إيدك يا نهى.. بجد شكراً. مش هتدخلي تشربي الشاي طيب قبل ما تنزلي؟
اعتذرت برقة وقالت إن وراها مواعيد، ولفت عشان تمشي. وأنا واقف على الباب وببص عليها وهي نازلة، حسيت بامتنان حقيقي للأيام وللتجربة دي كلها. إحنا منفعناش نكون
زوج وزوجة، ودا نصيب، بس قدرنا نكون بني آدمين وبقينا أصدقاء حقيقيين وسند لبعض وقت الشدة.
السور اللي انهار مكنش خسارة، كان بداية لأنظف وأجمل مرحلة في حياتنا.. مرحلة عنوانها الرحمة والعشرة اللي متهونش غير على أولاد الأصول.
عدى الشتا ودخلنا في الصيف، والترتيب الجديد ده مكنش مجرد فترة هدوء مؤقتة، دا بقى النظام الطبيعي لحياتنا. بس الغريب إن مع كل خطوة كنا بنقربها كأصدقاء وأب وأم ليوسف، كان في مشاعر قديمة ومدفونة بتصحى بالراحة من غير ما نقصد. المشاعر دي مكانتش زي زمان أيام المشاكل وضغط الجواز، كانت أصفى وأعمق بكتير.
يوسف بقى عنده تمان سنين، وفي يوم عيد ميلاده، قررنا نعمله حفلة صغيرة في جنينة البيت عندي. نهى جت بدري عشان تساعدني في التعليق والزينة وتجهيز التورتة. وإحنا واقفين سوا بننفخ البلالين ونعلق النور، وبنضحك على يوسف وهو بيجري حوالينا، بصيت لها للحظة وحسيت إن المكان ده مش ناقصه حاجة.. البيت مبقاش كبير وفاضي، البيت بقى كامل وهي فيه.
بعد ما الحفلة خلصت وأصحاب يوسف مشيوا، يوسف دخل نام من كتر التعب واللعب. قعدت أنا ونهى في الجنينة نشرب شاي ورا البيت، والجو كان طراوة وهادي جداً.
بصيت لها وقلت بعد فترة سكوت مريحة عارفة يا نهى.. البيت ده بقاله سنين مكنتش فيه الروح دي.. الروح رجعتله ورجعتلي من يوم ما عيطتِ هنا على الكنبة.
سابت كوباية الشاي وبصت لي، وعينيها كان فيها نظرة دافية مفيهاش أي خوف أو حذر وأنا
من يومها يا أحمد، وأنا حاسة إن الغربة اللي كنت عايشاها انتهت. السنتين اللي بعد الطلاق كانوا أصعب أيام حياتي، كنت فاكرة إني قوية ومكتفية، بس اكتشفت إن طعم الدنيا ملوش معنى وأنت بعيد عن الناس اللي بتحبهم.
قربت الكرسي بتاعي شوية وقلت بنبرة طالعة من كل قلبي إحنا لما بعدنا زمان، بعدنا عشان كنا تعبانين من الروتين والضغط والمشاكل، ومعرفناش نحافظ على بعض. بس السنتين دول علمونا قيمتنا وقيمة العشرة اللي بيننا. أنا مش عايزك تمشي تاني يا نهى.. مش عايزك تكوني ضيفة بتسلم وتمشي.. أنا عايزك ترجعي بيتك، وترجعيلي.
دموعها نزلت، بس المرة دي كانت ابتسامتها أوسع من الدموع. هزت راسها وقالت بصوت واطي ومليان راحة وأنا مش عايزة أبعد تاني يا
أحمد.. أنا عايزة نرجع عيلة بجد.
يومها، مأعلناش الموضوع بضجة. الموضوع تم بهدوء يشبه هدوء علاقتنا الجديدة. كلمنا أهلنا، ورجعنا لبعض رسمي، وبدأنا نرتب لنقل حاجتها تاني لمصر الجديدة.
أجمل لحظة في الرحلة دي كلها، كانت يوم ما جمعنا يوسف وقعدنا معاه في الصالة. قلت له جوزيف.. ماما مش هتمشي تاني يوم السبت.. ماما قاعدة معانا هنا على طول والبيت رجع بتاعنا إحنا التلاتة.
يوسف مبلمش ولا سأل كتير، هو بس رمى نفسه في حضننا إحنا الاتنين وفضل يضحك ضحكته اللي بتملا المكان بهجة.. الضحكة اللي ورثها من أمه، واللي من اليوم ده، بقت بتملى البيت كله كل يوم، بعد ما السور اتهد وبنينا مكانه بيت حقيقي مبني على
الرحمة والمودة والفهم.

تم نسخ الرابط