اختبار حمض نووي للّعب فقط…
في مسرح الچريمة هو ما كشف الحقيقة لا ما يدينكما
ثم أضاف بنبرة أكثر جدية
لكن هناك أمرا آخر
سكت لحظة ثم تابع
قبل أسبوعين وصلتنا إشارة جديدة شخص يستخدم هوية مزيفة حاول الوصول إلى سجلات قديمة تتعلق بكما
تجمدت الأم
تقصد أنه قد يكون حيا
أجاب هاريس ببطء
نعم ونعتقد أنه عرف بأمر اختبار الحمض النووي
ساد صمت ثقيل
قالت عالية بصوت ثابت رغم ارتجاف عينيها
إذن لم تنته القصة بعد
هز المحقق رأسه
لم تنته لكن هذه المرة لستن وحدكن نحن نراقب كل تحرك
عند خروجهن من المركز شعرت عالية بشيء لم تشعر به من قبل لم يكن خوفا فقط بل وعيا جديدا بذاتها
قالت لأمها
مهما كانت الحقيقة أنت أمنا لا اختبار ولا وثيقة ولا رجل من الماضي يمكنه تغيير ذلك
احتضنتهما الأم بقوة وكأنها تخشى أن ينتزعن منها
وفي تلك اللحظة أدركت التوأمتان أن الهوية لا تكتب في المختبر فقط بل تبنى بالأفعال بالتضحيات وبالذين يختارون البقاء
لكن في مكان ما بعيدا عن أعينهم كان الماضي يتحرك من جديد
وكان هناك من يراقب
لم تكن العودة إلى البيت مريحة كما توقعن
رغم ضوء النهار الذي كان يملأ الشوارع شعرت عالية أن شيئا ما تغير في إحساسها بالأمان لم يعد المنزل مجرد مكان للنوم والذكريات بل صار مساحة يجب مراقبتها الانتباه لكل صوت فيها ولكل ظل يمر قرب النوافذ
في المساء جلست التوأمتان في غرفتهما على السرير الذي تقاسمتاه منذ الطفولة كانتا متشابهتين في الملامح كما دائما لكن أعينهما تحملان الآن عمقا مختلفا ثقلا جديدا
قالت أمارا وهي تحدق في السقف
هل تشعرين بذلك
أجابت عالية دون أن تنظر إليها
أن حياتنا لم تعد ملكنا بالكامل نعم
صمتت أمارا لحظة ثم قالت
أفكر بجدتنا كم كانت تعرف وكم أخفت
تقلبت عالية على جانبها
أعتقد أنها عرفت ما يكفي لتخاف لكن ليس ما يكفي لټنهار هذا أصعب أنواع المعرفة
في الغرفة المجاورة كانت
همست لنفسها
سامحيني لو كنت عرفت
في منتصف الليل قطع الصمت صوت خاڤت
كان طرقا خفيفا غير متردد لكن ليس عشوائيا
فتحت عالية عينيها فورا جلست أمارا في اللحظة نفسها
قالت أمارا بصوت منخفض جدا
هل سمعت
أومأت عالية وقلبها بدأ يخفق بسرعة
الصوت جاء مرة أخرى
طرقات بطيئة محسوبة
نهضت الأم من غرفتها وسارت نحو الباب بخطوات حذرة أمسكت الهاتف بيد ويدها الأخرى ارتجفت وهي تقترب من العين السحرية
نظرت
ثم تجمدت
همست بالكاد مسموعة
لا
اقتربت التوأمتان خلفها
قالت عالية
من هناك
لم تجب الأم فورا تراجعت خطوة إلى الوراء وكأن الهواء انسحب من رئتيها
قالت أخيرا
رجل يسأل عن جدتكن
قالت أمارا بقلق
في هذا الوقت
قبل أن يرن الجرس تحدث الصوت من خلف الباب
أعلم أن الوقت متأخر لكن لدي أمر قديم يجب أن أنهيه
كان صوته هادئا منخفضا لا يحمل ټهديدا مباشرا وهذا ما جعله أكثر ړعبا
قالت عالية بقوة حاولت أن تبدو ثابتة
من أنت
سكت الرجل لحظة ثم قال
قولوا لها إن دانيال يريد أن يتحدث
شحب وجه الأم
تراجعت التوأمتان معا
قالت أمارا بصوت مرتجف
إنه هو
ارتجفت يد الأم وهي تضغط زر الاتصال
قالت بصوت خاڤت
شرطة الآن
من خلف الباب تابع الصوت
لا داعي لذلك جئت لأشرح فقط قبل أن يفعل الآخرون
قالت عالية وقد اشټعل الڠضب في صوتها
ليس لك حق الشرح
ضحك الرجل ضحكة قصيرة بلا فرح
ربما لكن لدي حق الندم
ساد صمت ثقيل
ثم قال
كنت أعتقد أنني أنقذتكما الآن أريد فقط أن أعرف هل نجحت
وصلت أصوات صفارات بعيدة
قالت الأم بصوت حاسم وقد
استعادت
غادر الآن
من خلف الباب تنفس الرجل بعمق
أخبريهما أن جدتهما كانت أشجع امرأة عرفتها
ثم ابتعدت الخطوات
بعد دقائق وصلت الشرطة لكن الشارع كان فارغا
لم يقبض على أحد
جلسن الثلاث في غرفة الجلوس والضوء مضاء رغم اقتراب الفجر
قالت أمارا بصوت مبحوح
كان قريبا طوال هذا الوقت
قالت عالية وهي تشد على يد أمها
لكنه لم يعد يملك شيئا هنا
تنفست الأم بعمق
الآن فقط أفهم أمكن لماذا كانت تغلق الأبواب دائما ولماذا كانت تقول إن الصمت أحيانا حماية
في تلك الليلة لم تنته الأسئلة لكن شيئا واحدا كان واضحا
الحقيقة خرجت من الظل
والماضي حاول العودة
لكنه اصطدم بجدار من الوعي والعائلة والاختيار
لم يأت الصباح بسهولة
رغم أن الشمس أشرقت كعادتها إلا أن الضوء بدا مختلفا داخل ذلك البيت كأن الليل ترك خلفه أثرا لا يمحى ظلا خفيفا يرافق كل حركة وكل نفس
جلست عالية وأمارا إلى طاولة المطبخ أكواب الشاي أمامهما لم تمس كانت الأم تقف قرب النافذة تراقب الشارع بهدوء مصطنع وكأنها تخشى أن يعود الماضي في أي لحظة متنكرا في هيئة عابر
قالت أمارا أخيرا تكسر الصمت
إذن كان حيا طوال هذا الوقت
أجابت الأم دون أن تلتفت
يبدو ذلك
قالت عالية وصوتها ثابت على غير عادته
لكنه لم يأت ليستعيدنا جاء ليتأكد فقط
التفتت الأم إليهما وفي عينيها مزيج من الألم والفهم المتأخر
جدتكن لم تكن تخفي سرا فقط كانت تحمل عبئا كانت تعرف أن هذا اليوم قد يأتي
نهضت وتوجهت إلى خزانة صغيرة في زاوية الصالة فتحت درجا لم يفتح منذ سنوات أخرجت منه ظرفا قديما أوراقه صفراء وحوافه مهترئة
قالت بصوت منخفض
وجدت هذا بعد ۏفاتها لكني لم أملك الشجاعة لفتحه
ناولته إلى عالية
فتحت الظرف ببطء وظهرت رسالة مكتوبة بخط اليد ذاته الذي رأوه في اليوميات
بدأت عالية تقرأ بصوت مرتجف
إن وصل هذا إليكن يوما
سكتت عالية
كانت أمارا تبكي بصمت
قالت الأم وقد جلست قربهما
أنا لم أكن أما مثالية لكنني كنت أما حقيقية ربيتكما سهرت خفت فرحت وتألمت ولن أسمح لورقة أو ډم أو رجل هارب أن ينقص من ذلك
مدت أمارا يدها وأمسكت بيد أمها
أنت أمنا هذا لم يتغير
قالت عالية بهدوء عميق
لكن ما تغير هو نحن
بعد أيام استدعيتا مجددا إلى مركز الشرطة
هذه المرة لم يكن هناك ارتباك ولا خوف أعمى كان هناك حذر واع
قال المحقق هاريس وهو يضع الملف أمامهما
الرجل الذي طرق بابكم دانيال ليس والدكما البيولوجي لكنه كان وسيطا حلقة بين والدكما الحقيقي وشبكة أكبر حضوره يؤكد أن جدتكم كانت تقول الحقيقة
سألته أمارا
وهل ما زال خطړا
أجاب
ليس عليكم القضية ستغلق من جهتكم ما فعلتماه دون قصد أنقذ أطفالا آخرين أعاد فتح ملف كان يجب ألا ينسى
خرجتا من المركز والهواء بدا أخف
قالت عالية وهي تنظر إلى السماء
أشعر وكأنني عشت عمرين
ابتسمت أمارا بخفة
وأنا أشعر أنني أخيرا أعرف من أكون لا لأنهم قالوا لي بل لأنني اخترت
مرت الشهور
عادت الحياة تدريجيا إلى إيقاعها الطبيعي لكن التوأمتين لم تعودا كما كانتا لم تعدا تريان العائلة كشيء قائم على الډم فقط ولا الحقيقة كشيء يجب أن يعرف كله
في إحدى الأمسيات جلستا مع أمهما في الشرفة
قالت الأم
هل ندمت لأني لم أخبركما بالحقيقة
قالت عالية بعد تفكير
لو أخبرتنا لربما خفنا لو لم تخبرينا عشنا الآن فقط نملك الاثنين الحياة والحقيقة
قالت أمارا مبتسمة
وهذا يكفي
في
تلك اللحظة أدركن جميعا شيئا واحدا
أن
بعض الأسرار لا تخفى لټدمير
بل لتأجيل الألم
إلى أن نصبح أقوى
القصة لم تكن عن چريمة قديمة فقط
ولا عن اختبار حمض نووي
بل عن ثلاث نساء اخترن الوقوف معا
حين حاول الماضي أن يفرقهن
النهاية