أبويا كلمني الساعة واحدة ونص بالليل

لمحة نيوز

أبويا كلمني الساعة واحدة ونص بالليل، وصوته كان فيه نبرة قلق وتوتر، كأنه واقع في ورطة ومش عارف يخرج منها إزاي.
كنت لسه صاحية، قاعدة على ترابيزة المطبخ بشورت وقميص، غرقانة وسط ورق وملاحظات عشان عندي جلسة الصبح. الموبايل نور باسم بابا، فضلت باصة للشاشة ثانية قبل ما أرد، لأن مفيش أب عاقل بيكلم بنته بعد نص الليل إلا لو فيه حد مات، أو بيموت، أو اتقبض عليه.
فتحت الخط، وسمعت وشوشة بابا المتوترة بكرة هتيجي معانا تعزمي أهل خطيبة أخوكي على العشا.. بس ابوس إيدك، تقفلي بوقك خالص ومسمعش صوتك.
سندت ضهري على الكرسي وسألت باستغراب ليه يعني؟
وقبل ما يلحق يرد، صوت ماما جه حاد وعالي من وراه أبوها قاضي يا فالحة! مش عاوزين فضايح، إنتي دايماً بتبوظي الدنيا وتكسفينا.
ابتسمت غصب عني.. مش عشان الكلام يضحك، بس عشان الموقف ده مألوف جداً بالنسبة لي.
أنا اسمي جوليا، عندي 35 سنة، شغالة وكيل نيابة. وبالنسبة لعيلتي، أنا قضيت حياتي كلها ببوظ المظاهر وبكسفهم لمجرد إني برفض أجامل أو أكذب كذبة شيك لما الحقيقة تكون واضحة. كلمة بتكسفينا عندهم معناها إني صلحت قصة متألفة، أو رفضت أطبل لحد منافق، أو رفضت أمثل إن أخويا الكبير شريف وصل للي هو فيه بمجهوده، رغم إن أهلي هما اللي

دافعين دم قلبهم عشان يشتروله المنظرة دي.
شريف عنده 40 سنة، وسيم كأنه طالع من إعلان بدلات، والابن المدلل اللي أهلي شايفين إنه كان المفروض يتولد وفي بوقه معلقة دهب. كل ما يقع في فشل، هما اللي بيسندوه ويداروا عليه. كورس العقارات؟ دفعوله تمنه. شقة اشتراها عشان يجددها ويبيعها وخسر فيها؟ شالوها عنه في صمت. شركتين استشارات محدش استشارهم في حاجة؟ قروض من جيب العيلة. ديون فيزا؟ دعم مؤقت. ودلوقتي خطب واحدة اسمها إليز، أبوها زي ما ماما بتقول بقداسة كأنها بتتكلم عن ولي من أولياء الله قاضي في المحكمة الكلية.
ده بقى اللي يفسر حالة الذعر اللي بالليل دي.
الموضوع مش حب، ولا لمة عيلة، ولا إنهم وحشتهم لمتي معاهم.
الموضوع تأمين مخاطر.
بابا وطى صوته وقال خليكي لطيفة يا جوليا، بالله عليكي.
رديت ببرود أنا دايماً لطيفة يا بابا.
ماما ضحكت باستهزاء لا يا حبيبتي مش لطيفة، إنتي فاكرة نفسك في المحكمة وعاوزة تدي رأيك في كل حاجة.
قلت لها يا ماما أنا وكيل نيابة، ده شغلي.
صرخت في الموبايل أهو ده بقى ألعن وأضل!
ورجعنا تاني للأسطوانة المشروخة. أنا صعبة عشان فاهمة الدنيا وبقول الحق، وشريف جذاب وابن ناس عشان بيطير فوق الغلط من غير ما يتحاسب.
سألتهم طيب إيه بالظبط اللي المفروض
أسكت عنه؟
محدش رد فوراً، والسكوت ده كان كفاية جداً إنه يفهمني كل حاجة.
بعدين بابا قال يعني متجبيش سيرة الشغل، ولا تفتحي مواضيع سياسة، ولا تحكي عن أي حاجة من الماضي. ولو القاضي سألك بتشتغلي إيه، قولي كلام بسيط ومختصر.
بسيط.. الكلمة اللي ماما بتستخدمها دايماً لما تحب تخليني أصغر من حجمي.
قلت تمام، فهمت.
بابا اتنفس الصعداء وقال أيوة كده، ربنا يهديكي. وقفل السكة.
قعدت مكاني في هدوء الشقة، الموبايل لسه في إيدي، وحاسة بتروس العيلة القديمة وهي بتعشق في بعضها تاني. أهلي خايفين إني أبوظ أهم دور تمثيلي في حياة شريف. وده معناه حاجة من اتنين يا إما هما رسموا للقاضي ده صورة خيالية عن عيلتنا متمصمدش خمس دقايق قدام الحقيقة، يا إما فيه سر عن والد إليز هما عارفين إني لو عرفته مش هسكت.
تاني يوم، رحت مطعم كلاسيك وفخم وسط البلد، ودخلت الأوضة الخاصة اللي حاجزينها، وعرفت الإجابة فوراً أول ما خطيت عتبة الباب.
مفارش بيضاء، حيطان خشب، شياكة زيادة عن اللزوم. ماما لابسة فستان مبهرج بزيادة وواقفة بتضحك بتمثيل واضح، بابا وشه أحمر من كتر المجهود اللي بيبذله عشان يبان برستيج، وشريف لابس بدلة كحلي وعامل نفسه ابن عز وباشا. وإليز واقفة جنبه بتلمع من الفرحة. وفي آخر الأوضة،
كان القاضي عادل المنشاوي واقف بيشرب عصيره.
أنا عارفة الراجل ده كويس جداً.
مش معرفة اجتماعية طبعاً.
دي معرفة شغل.
الراجل ده كان قدامي في المحكمة من أقل من تلات أسابيع.
وأول ما القاضي رفع كأسه عشان يحيي الموجودين، وبدأ يقرب من ناحيتنا، وفجأة وقف قدامي بالظبط وعلامات الذهول والدهشة الحقيقية على وشه، الأوضة كلها سكتت تماماً، ومبقاش مسموع غير صوت أنفاس أهلي المكتومة.
بص لي وقال بذهول أهلاً أهلاً.. أنا مش مصدق إني شايفك هنا! إنتي تقربي لهم إيه؟
بصيت لبابا وماما، وشفت ملامحهم بتهرب منهم، لونهم خطف وبابا بدأ يفرك في إيده بتوتر وهو بيبص في الأرض، أما شريف فكان واقف مذهول مش فاهم النظرة اللي في عين القاضي دي وراها إيه.
القاضي عادل مسبش فرصة لحد ينطق، كمل وهو لسه عينه في عيني وبابتسامة ذهول سيادة الوكيل جوليا ميرسر! معقولة؟ ده أنا لسه كنت هبعت استفسار لمكتب النائب العام عن المذكرة اللي قدمتيها الأسبوع اللي فات.. مكنتش أعرف إن ليكي قرايب هنا في ريتشموند.
الصمت في القاعة بقى تقيل لدرجة إن لو دبوس وقع كان هيرن. ماما حاولت تلحق الموقف، ضحكت ضحكة صفرا وقالت وصوتها بيترعش سيادة القاضي، حضرتك تعرف جوليا؟ دي بنتي.. بس هي يعني.. غاوية توجع دماغها بمسائل
القانون والورق، إحنا
 

تم نسخ الرابط