أبويا كلمني الساعة واحدة ونص بالليل

لمحة نيوز


فاكرة إنه بابا جاي يكمل الوصلة، بس اتفاجئت ب إليز داخلة المكتب.
وشها كان باهت وعينيها منفوخة من كثر العياط. قعدت قدامي وقالت بصوت واطي أنا مش جاية أعاتبك.. أنا جاية أشكرك.
بصيت لها باستغراب تشكريني على إيه؟ أنا بوظت جوازتك.
ردت بمرارة إنتي أنقذتيني من حفرة كنت هقع فيها وأنا مغمضة. بابا قالي إن شريف كان ناوي يستخدم اسم عيلتنا عشان يغطي على بلاوي قديمة، وإنه كان مستني الجوازة دي تتم عشان يهرب من التحقيق ب حصانة اسم القاضي عادل المنشاوي.
سكتت شوية وبعدين سألتني هو بجد ممكن يتحبس؟
رديت بمهنية القانون مبيعرفش أخوات يا إليز. الورق اللي قدامي بيقول إن فيه اختلاس، ولو ثبت، مفيش مفر.
خرجت إليز، وبعدها بساعة لقيت مكالمة من رئيس النيابة بيطلبني في مكتبه. روحت وأنا قلبي مقبوض، لقيت بابا قاعد هناك! وشه كان مخطوف وبيحاول يتمسكن قدام رئيسي في الشغل.
رئيس النيابة بص لي وقال يا جوليا، والدك جاي يطلب تنازل أو تسهيل في قضية أخوكي، بيقول إن الموضوع خلاف عائلي مش أكتر.
بصيت لبابا بنظرة أخيرة، نظرة كلها خيبة أمل، وقولت

لرئيسي بوضوح يا فندم، أنا بقدم اعتذاري عن تكملة القضية دي لاستشعار الحرج بسبب صلة القرابة، وبطلب تحويل الملف بالكامل لزميل تاني، مع التأكيد إن كل الأدلة اللي جمعتها قانونية 100 وموجودة في الملف.
بابا اتصدم، كان فاكر إني لما أعتذر القضية هتموت، معرفش إن استشعار الحرج معناه إن القضية هتروح لواحد ميعرفهمش أصلاً ومفيش في قلبه ذرة رحمة ليهم.
خرجت من المكتب وبابا جرى ورايا في الطرقة يعني إيه يا جوليا؟ هتسيبيهم يبهدلوا أخوكي؟
وقفت وبصيت له بكل قوة أنا معملتش حاجة يا بابا، أنا بس قفلت بوقي زي ما طلبت.. بس المرة دي، سيبت القانون هو اللي يتكلم.
سبته ومشيت وأنا عارفة إن علاقتي بالعيلة دي انتهت للأبد، بس لأول مرة في حياتي، كنت حاسة إني صح ومش محتاجة أعتذر لحد.
عدى شهر على اليوم ده. البيت اللي كان دايماً مليان دوشة وعزومات بقى زي القبر. شريف اتقدم للمحاكمة فعلاً، والقضية مخدتش وقت لأن الورق كان نطّاق زي ما بنقول في الشغل، ومحامي شريف معرفش يثبت ثغرة واحدة في الملف اللي أنا كنت مجهزاه قبل ما أتنحى.
في يوم النطق بالحكم،
رحت المحكمة. مكنتش واقفة في المنصة كوكيل نيابة، كنت واقفة ورا في آخر القاعة، لابسة نظارة سوداء ومستخبية وسط الناس. شفت بابا وماما قاعدين في أول صف، وشهم كبر عشر سنين. ماما كانت ماسكة سبحة وإيدها بترتعش، وبابا كان باصص للأرض، كأنه بيدور على كرامته اللي ضاعت في القاعة دي.
القاضي نطق بالحكم حبس المتهم شريف ميرسر ثلاث سنوات مع الشغل والنفاذ.
الصرخة اللي طلعت من ماما شقت قلبي نصين، رغم كل اللي عملوه. شفت العساكر وهم بياخدوا شريف، وبصته ليا وهو خارج كانت مليانة غل وكره عمري ما هنساه. بابا قام وقف وسند ماما، وهم خارجين عينه جت في عيني. توقعت يزعق، يشتمني، أو حتى يضربني.. لكنه عمل أصعب من كده بكتير.
بص لي بنظرة انكسار وقال بكلمة واحدة هزتني مبروك.. القانون كسب، بس خسرتي أهلك.
سابوني ومشوا. وقفت مكاني في القاعة الفاضية، والسكوت كان بيخنقني. رحت مكتبي، لميت حاجتي، وقدمت طلب نقل لمحافظة تانية. كنت محتاجة أبدأ من جديد، في مكان ميعرفش جوليا ميرسر القوية اللي حبست أخوها، مكان أكون فيه مجرد جوليا وبس.
بعد سنة في
مكاني الجديد، موبايلي رن برقم غريب.
ألو؟
جوليا.. أنا إليز.
سكتت شوية وبعدين رديت أهلاً يا إليز. عاملة إيه؟
قالت لي بصوت هادي أنا كويسة، اتجوزت وسافرت. بس كنت عاوزة أقولك حاجة.. شريف طلع بعفو صحي الأسبوع اللي فات، وحالته صعبة قوي. بابا وماما سابوا البيت ونقلوا في شقة صغيرة قريبة من المصحة اللي هو فيها.
قفلت مع إليز وحسيت إن جبل اتشال من على صدري، بس ساب مكانه حفرة. ركبت عربيتي وسوقت لحد المحافظة اللي فيها أهلي. وقفت قدام الشقة الجديدة، فضلت مترددة قدام الباب نص ساعة.
خبطت.
بابا فتح. بص لي كتير، ملامحه كانت هادية، مفيش غضب، مفيش عتاب.
فتحت بوقي عشان أتكلم، بس هو سبقني وفتح لي دراعاته ادخلي يا جوليا.. مفيش فايدة، الدم عمره ما يبقى ميه، وإحنا غلطنا لما افتكرنا إن التمثيل هيحمينا من الحقيقة.
دخلت ولقيت شريف قاعد على كرسي، خاسس وشاحب، أول ما شافني ملامحه اتغيرت، بس المرة دي كانت دموع مش غل. قعدت جنبهم، ومحدش فينا فتح سيرة القانون ولا الماضي.
قفلنا الصفحة دي للأبد، واتعلمنا إن الصراحة مرة، بس طعمها في الآخر
هو الوحيد اللي بيعيش.

 

تم نسخ الرابط