الام العظيمه حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

وهي بتلم المواعين بعد عشا عائلي تقيل، كانت الحاجة أمل اللي عندها 65 سنة واقفة قدام الحوض، لما ميلت عليها شيرين مرات ابنها وقالتلها بصوت واطي وسمّ يا كركوبة يا عجوزة، أنا مستحملاكي بس عشان خاطر جوزي.
أمل سكتت خالص، كملت تنشيف إيديها في الفوطة، وابتسمت ابتسامة هادية وقالت متشغليش بالك، مش هتحمليني كتير بعد كدة. ومحدش من اللي قاعدين في الشقة كان يتخيل الست دي محضرة لهم إيه على الترابيزة بعد كام يوم.
كانت مية الصابون لسه دافية لما شيرين قربت منها وريحة برفيومها غطت على ريحة الليمون وزفارة الفراخ المحمرة. أمل وقفت لحظة والطبق في إيدها، وبصت لخياله في إزاز شباك المطبخ، في شقتها اللي في حي المعادي اللي قضت قريب من أربعين سنة بتشقى عشان تدفع أقساطها هي والمرحوم جوزها.
نشفت إيدها وردت الرد الهادي ده.
أمل كانت ممرضة طوارئ محترفة طلعت معاش، أرملة، وست قضت عمرها بتاخد قرارات بين الحياة والموت في ثانية. لكن جوا بيتها، لسبب ما، بقت صغيرة والكل بيجي عليها. كانت بتطبخ الفطار في الويك إيند، وتغسل وتكوي، وبتاخد بالها من العيال، وبتعتذر كتير على حاجات معملتهاش.
اللي وجعها مش بس الإهانة، اللي وجعها إن الكلام ده أكد اللي هي حاساه، إنها مابقتش صاحبة البيت، بقت شخص

تقيل هما مستحملينه بجميلة.
هي وجوزها حج حسن اشتروا الشقة دي في أواخر التمانينات، وضبوا كل ركن فيها بإيديهم، وربوا فيها ابنهم هاني. وبعد ما حسن توفى فجأة بسكتة قلبية، كملت أمل سد الأقساط لوحدها من غير ما تشتكي.
في الوقت ده، كان هاني ومراته وعيالهم عايشين معاها بقالهم تلات سنين. الموضوع بدأ كحل مؤقت لما هاني ساب شغله، بس قلب لدائم. شيرين قلبت نظام المطبخ، وبقت تعدل على أمل قدام الأحفاد، وبتتصرف وكأنها هي ست البيت.
وهاني كان دايمًا يا مولاي كما خلقتني، لما الدنيا تشد يهرب، ولما يشوف أمه مكسورة عينه تيجي في الأرض ويسكت.
أمل كانت بتقول لنفسها عشان خاطر العيلة.. عشان الأحفاد.. عشان ابني وبتتمنى في يوم هاني يبقى راجل زي أبوه.
في ليلة، وهي راجعة من عند صاحبتها فوزية، سمعت صوت عالي جاي من أوضة هاني وشيرين. وقفت في المطبخ وأكياس الخضار في إيدها، وسمعت شيرين وهي بتصرخ 12 ألف جنيه بس يا هاني؟ ده كل اللي حوشناه؟
هاني اعترف بصوت واطي إنه رجع يلعب قمار وتوقعات كورة تاني. الفلوس اللي كانت متشالة لشقة ملك ليهم طارت، وكل كلامه عن الشغل الإضافي طلع كدب.
أمل وقفت مكانها وفهمت ليه المعاملة بقت وحشة؛ خططهم باظت، وبقت شقتها هي الخطة ب اللي عايزين يسيطروا عليها.
بعد
كام ليلة، سمعت شيرين وهي قاعدة مع صاحبتها، بيشربوا شاي وبيضحكوا بصوت عالي، وشيرين بتقول بقلة أصل عايشة مع الهم القديم ده غصب عني، وقعدت تترق على أكل أمل ونظافتها وتعبها اللي مبيخلصش، وقالت إنهم مستحملينها بس لحد ما يظبطوا أمورهم ويقشطوا الشقة.
ليلتها أمل قعدت على سريرها تبص لإيدها، الإيد اللي ياما أنقذت ناس وداوت جروح وشالت هموم، دلوقتي في بيتها متهانة وبقت مجرد غسالة مواعين لناس مبيطمرش فيهم.
تاني يوم الصبح، شيرين كشرت عن أنيابها وقالت لأمل ببرود يا طنط أنا جالي شغل جديد ومحتاجة أوضتك دي تبقى مكتب ليا، فإحنا هننقل حضرتك في أوضة الكراكيب اللي ورا المطبخ، كدة كدة إنتي مش بتعملي حاجة غير إنك بتنامي وخلاص.
هاني بص في الأرض وقال يا أمي معلش فترة مؤقتة.
مؤقتة.. الكلمة دي رنت في ودن أمل وهي بتبص لصورها مع الحاج حسن والذكريات اللي في كل ركن، واللي شيرين شيفاها كراكيب.
في اللحظة دي، حاجة جوا أمل انكسرت للأبد، واتحولت لقوة.
الصبح، والكل فاكرها نازلة تشتري طلبات، لبست أمل طقم شيك وراحت البنك، ومن البنك لمكتب محامي.
في البنك اتأكدت إن الشقة باسمها لوحدها، وفاضل تلات أقساط بس وتخلص تمامًا.
وفي مكتب المحامي، الراجل بص في الورق وقالها يا حاجة أمل، هما قاعدين
هنا بجميلك وإنتي اللي سامحة بكده.
مضت على ورقة رسمية محطوطة في ظرف أبيض عليه ختم النسر.
أمل مروحتش علطول، راحت قعدت عند صاحبتها أسبوع، تفتكر فيه هي مين وقيمتها إيه، قبل ما ترجع الشقة وهي واخدة قرارها.
لما رجعت، الشقة كانت تضرب تقلب، وشيرين بدأت تشتكي علطول إن المكتب لسه مجهزتش.
أمل ندهت عليهم كلهم وقالتلهم اجلسوا.. عايزين نتكلم.
هاني قعد وهو قلقان، وشيرين وقفت ومربعة إيدها بتبص بقرف، والعيال كانوا مراقبين الموقف بخوف.
أمل فضلت واقفة بكرامتها، واتكلمت بهدوء عن الأصول، وعن الاحترام، وعن إن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وإن الظلم ظلمات، وإن الحب مش معناه إن الواحد يلغي نفسه عشان خاطر ناس مبتصونش.
وبعدين مدت إيدها في شنطتها، وطلعت الظرف الأبيض القانوني، وحطته على الترابيزة.
هاني أول ما شاف طرف الورقة وشه بقى زي الليمونة المخلولة ومنطقش.
وفي اللحظة دي، موازين البيت كله اتقلبت.
شيرين كانت لسه فاتحة بوقها عشان تعترض، بس هاني سحب الورقة بإيد بتترعش وقرا اللي فيها بصوت مش مسموع إنذار رسمي بالإخلاء.
شيرين اتصدمت وصرخت إخلاء إيه يا طنط؟ إنتي هتطردي ابنك وعيالك في الشارع؟ ده بيت العيلة!
أمل ردت بمنتهى الثبات والهدوء ده كان بيت العيلة لما كان فيه عيلة بتخاف
على بعضها وتصون الكبير.
 

تم نسخ الرابط