الام العظيمه حكايات صافي هاني
لكن لما البيت يبقى فيه كركوبة وعبء يبقى لازم الحمل ده يتشال من على كتافك يا شيرين. أنا ريحتك يا حبيبتي، قدامكم شهر واحد تلاقوا فيه مكان يليق بمقامكم العالي، عشان الأوضة اللي كنتي عايزاها مكتب، أنا هخليها أوضة لذكر الله والعبادة، والشقة كلها هترجع نظيفة زي ما كانت.
هاني حاول يتمسكن وقال بنبرة مكسورة يا أمي، إحنا ملناش غيرك، والديون والظروف..
أمل قاطعته بنظرة قوية خلت الكلمة تقف في زوره الظروف هي اللي عرفتني إن ابني بقى بيقامر بفلوس ولاده، وإن مراته بتهين أمه في بيتها. أنا سكتّ كتير عشان كنت فاكرة إن الصبر هيربيكم، بس لقيت إن صبري هو اللي شجعكم تيجوا عليا. يا هاني، أنا ممرضة وشفت الموت بعيني مية مرة، وعارفة إن العمر قصير، ومش هقضي اللي فاضل منه وأنا بحس إني تقيلة في ملكي.
شيرين بدأت تعيط بتمثيل وتقول طب والعيال؟ يروحوا فين؟
أمل بصت لأحفادها بحنان وقالت العيال ولادي، يجوا يزوروني في أي وقت، وياكلوا من إيدي اللي مكنتش بتعجبك. لكن إنتي وجوزك، لازم تتعلموا يعني إيه مسئولية. الشهر ده لو خلص ومنقلتوش، المحامي هيباشر إجراءاته، والشرطة هي اللي هتنفذ.
قامت أمل من على التربيزة، ودخلت مطبخها، وبدأت تعمل لنفسها كوباية شاي بالنعناع وهي
دخلت أوضتها وقرأت وردها اليومي من القرآن، ونامت لأول مرة نومة عميقة وهادية، وهي عارفة إنها ست البيت بجد، مش بس بالكلمة، لكن بالوقفة والكرامة.
فات الشهر، وكان أصعب شهر عدى على هاني وشيرين. شيرين حاولت بكل الطرق تستعطف أمل، مرة بالدموع ومرة بإنها تعمل فيها ست البيت المثالية وتطبخ وتنظف، بس أمل كانت زي الجبل، ترد بكلمة واحدة القرار اتخد خلاص.
أما هاني، فكان بيدور يمين وشمال على شقة إيجار تناسب دخله اللي مابقاش يكفي حاجة بعد ما خسر فلوسه، واضطر في الآخر يأجر شقة صغيرة في منطقة أبعد بكتير، وعلى قد حالهم جداً.
يوم الرحيل، العمال كانوا بيشيلوا العفش، وهاني واقف مكسوف مش قادر يحط عينه في عين أمه. شيرين وهي خارجة من الباب، بصت لأمل بغل وقالت بكرة تندمي يا طنط لما تلاقي نفسك وحيدة في الضلمة دي، ومحدش يسأل فيكي.
أمل ردت بابتسامة صافية الونس باللي خلقني يا بنتي، والوحدة في راحة بال، أحسن من اللمة اللي فيها قلة أصل. ربنا يهديكم لنفسكم.
قفلوا
بعد يومين، خبط الباب. كانت روزي صاحبتها، ومعاها شنطة فيها حلويات.
روزي ها يا أمل، ناوية على إيه في القصر ده لوحدك؟
أمل قعدت على كنبتها المفضلة وقالت ناوية أعيش يا روزي. الأوضة اللي شيرين كانت عايزاها مكتب، أنا اتفقت مع جمعية خيرية هبعت لهم مبلغ كل شهر، وهخصص الأوضة دي لتحفيظ القرآن لأطفال الحتة يومين في الأسبوع صدقة جارية على روح حسن. والشقة دي هتفضل مفتوحة لأحفادي بس، ييجوا ينوروني، ويشوفوا ستهم وهي عزيزة في بيتها.
وفعلاً، البيت اللي كان سجن لأمل، بقى منارة. هاني بدأ يتعدل حاله لما حس بمرارة المسؤولية، وبقى ييجي يبوس إيد أمه كل جمعة ويطلب السماح. وشيرين؟ عرفت إن الكركوبة كانت هي العمود اللي ساند سقف حياتها، ولما انكسر، عاشت هي في التعب.
أمل عاشت اللي فاضل من عمرها ملكة، ممرضة القلوب والبيوت، بتعلم الكل إن الكرامة مفيهاش معلش، وإن البيت اللي مابيكرمش صاحبه، ميبقاش بيت.. يبقى جدران باردة مفيهاش روح.
مرت سنة كاملة على اليوم اللي القطر فيه وقف في محطته
في يوم جمعة، الباب خبط، وكان هاني واقف ومعاه ولاده، بس المرة دي شيرين مكنتش معاهم. هاني دخل وباس إيد أمه وطول في البوسة قوي، كأنه بيعتذر عن كل لحظة سكت فيها على حقها.
أمل بصت له وقالت فين شيرين يا هاني؟
هاني اتنهد وقال عند أهلها يا أمي.. مش قادرة تتأقلم مع الشقة الضيقة ولا مع العيشة على قدنا. بتقول إنك ظلمتينا.
أمل سابت سبحتها وبصت له بحكمة الممرضة اللي فاهمة الوجع فين
أنا مظلمتكمش يا ابني، أنا فوقتكم. لو كنت سيبتكم، كنت إنت هتضيع في القمار أكتر، وهي كانت هتفتكر إن الدنيا بتيجي باللسان الطويل. الشقة الضيقة اللي هي مش عاجباها دي، هي اللي هتعلمها إن القرش الحلال والرضا هما اللي بيوسعوا الحيطان، مش طرد أصحاب البيت من بيوتهم.
هاني نزل راسه في الأرض عندك حق يا أمي. أنا بدأت أسدد ديوني، وبعت العربية عشان أخلص اللي عليا، وشغال دلوقتي شغلانتين عشان أصرف على ولادي بالحلال. أنا أول مرة أحس إني راجل بجد من يوم ما خرجت من
أمل ابتسمت،