طردني والدي حكايات صافي هاني
عشان تصرف على نفسها.. كل حاجة اتهدت يا بنتي. أنا مش بطلب منك تسامحيني، بس بطلب منك تيجي تزوريني مرة واحدة بس.. أنا بتموت في اليوم مية مرة وأنا بفتكر إني خسرت بنتي الذكية اللي كان ممكن ترفع راسي، عشان خاطر أوهام.
قريت الكلام، ومحستش بأي تشفي ولا انتقام. حسيت بس بنوع من الشفقة على راجل ضيع حياته وعيلته ونفسه عشان شوية فلوس مش بتاعته. مسكت الرسالة، وبكل هدوء، قطعتها حتت صغيرة ورميتها في الباسكت.
أنا مش هروح.. مش حقد، بس لإن الصفحة دي اتقفلت تماماً، والشخص ده مابقاش موجود في حياتي. أنا مش هعيش رهينة للماضي ولا للي أذوني.
في نفس الليلة، طنط سوزان جاتلي البيت ومعاها تورته صغيرة عشان تحتفل بنجاحي في أول تيرم في الجامعة بتقدير امتياز.
قعدنا في الصالة، مشغلين مزيكا هادية، وبنشرب شاي. طنط سوزان بصت للبيت وقالتلي عارفة يا ديان؟ البيت ده بقاله روح تانية خالص من ساعة ما رجعتي فيه. ريحة أمك الله يرحمها رجعت تملا المكان.
ابتسمت وبصيت لصورة أمي اللي منورة الصالة وقولت عشان البيت مابقاش فخ يا طنط.. البيت بقى سكن.
سندت راسي على ضهر الكرسي، وأنا ببص لشاشة الموبايل.. مكنش فيه نتايج مرعبة مستنياها، ولا مكالمات تهديد. كان فيه بس مستقبلي اللي برسمه بإيدي، خطوة بخطوة، وبكل ثقة.
ال 4 سنين بتوع الجامعة عدوا كأنهم هوا. كنت بدرس وبشتغل في نفس الوقت مع أستاذ سانتوس، محامي أمي، عشان أفهم كل صغيرة وكبيرة في القانون العقاري، وفي نفس الوقت كنت مكملة في هندسة ديكور وترميم المباني الأثرية.
مشروعي التخرج بتاعي كان عن إيه؟ عن ترميم وإعادة إحياء البيوت التاريخية في بروكلين هايتس.. البيت اللي حماني، رديت له الجميل وخليته هو مشروع
وأنا واقفة على المسرح بستلم الشهادة، افتكرت ليلة ال 98 7.. الليلة اللي أبويا قالي فيها البيت ده ملوش مكان للفاشلين، ابتسمت وبصيت للسقف وقولت في سري أنا نجحت يا أمي.. ورفعت راسك أنتي.
بعد الحفلة، رجعنا أنا وزن طنط سوزان على البيت عشان نحتفل. وأنا بفتح الباب، لقيت بوكس صغير محطوط قدام العتبة، ومكتوب عليه اسمي.
دخلت جوه وفتحته.. كان فيه جواب من مصلحة السجون، ومجموعة متعلقات شخصية قديمة ساعة أبويا، ومحفظته، وصورة صغيرة ليا وأنا طفلة.
الجواب كان إخطار رسمي بوفاة آرثر ريد في السجن بعد أزمة قلبية مفاجئة، قبل ما يكمل مدة عقوبته بسنة.
مسكت الصورة القديمة بتاعتي اللي كانت في محفظته. فضلت باصة لها كتير. مفيش دموع نزلت، بس حسيت برعشة خفيفة. الراجل ده عاش ومات وهو بيدور على السراب، وفي الآخر مات لوحده، ومفضلوش من الدنيا غير صورة البنت اللي طردها بإيده.
سيليا بعد ما خرجت من السجن اتطلقت منه وسافرت، وليلي اختفت تماماً وقطعت أخبارها عن الكل بعد ما اتجوزت شخص بسيط وعاشت في ولاية بعيدة.
حطيت المتعلقات دي كلها في درج مقفول.. قفلت على الماضي للمرة الأخيرة وبدون رجعة.
تاني يوم الصبح، الشمس كانت طالعة ومنورة البيت كله. وقفت قدام المراية، لبست بدلة الشغل الشيك بتاعتي، وجمعت شعري ورا. انهارده أول يوم ليا في شركتي الخاصة ب ترميم البيوت الأثرية، واللي فتحت مقرها في الدور الأرضي من بيتي.
وأنا نازلة السلم، بصيت لبرواز كبير علقته في الصالة.. كان جواه نسخة من شهادة تخرجي، وجنبها الصورة
خرجت للشارع، شميت الهوا النضيف، وقفلت الباب ورايا.. بس المرة دي وأنا معايا المفتاح، ومعايا حياتي، ومعايا بكره اللي مابقاش فيه أي فخاخ.. بقى فيه بس حرية ونجاح.
الشغل في شركتي الجديدة بدأ يوسع ويكبر أسرع مما كنت أتخيل. في خلال سنتين بس، اسم ديان ريد لترميم المباني الأثرية بقى معروف في نيويورك كلها. الناس كانت بتجيلي مخصوص عشان أعيد الروح للبيوت القديمة اللي مهددة بالهدم، كنت بحس إن كل بيت بنقذه من الضياع، هو انتصار جديد ليا ولأمي.
وفي يوم، كنت قاعدة في مكتبي في الدور الأرضي براجع مقايسة مشروع جديد، لقيت السكرتيرة بتخبط وبتدخلي وبان عليها التردد
بشمهندسة ديان.. فيه واحدة برة طالبة تقابلك ومصرّة جدًا، قايلالي إنها مش هتمشي غير لما تشوفك.
مين دي يا جيسيكا؟ ميعادها إمتى؟
معندهاش ميعاد.. بس قالتلي أقولك إن اسمها ليلي.
إيدي اتجمدت فوق الورق. ليلي؟
سكتّ ثواني، وأفكار كتير مرت في دماغي. بس قولت لنفسي إن ديان بتاعت النهاردة مش ديان البنت المكسورة بتاعت زمان.
دخليها يا جيسيكا.
الباب اتفتح، ودخلت ليلي. مكنتش الملكة المتوجة بتاعة الحفلة، ولا البنت المغرورة اللي كانت بتزعقلي. كانت لابسة هدوم بسيطة جداً، وشها باين عليه التعب والهم، وعينيها فيها كسرة غريبة. أول ما شافتني، فضلت واقفة مكانها مش عارفة تنطق.
شاورت لها على الكرسي بكل هدوء اتفضلي اقعدي يا ليلي.. خير؟
قعدت وهي بتفرك في إيديها بتوتر، وبصت حواليها في المكتب والبيت اللي بقى قصر من الشياكة ديان.. أنا عارفة إني ماليش عين أجيلك، وعارفة إن اللي حصل زمان ميتنسيش.. بس أنا ماليش حد غيرك.
مبقتش بفتكر زمان يا
دموعها نزلت أمي سيليا.. بعد ما خرجت من السجن تعبت جداً، وهي دلوقتي في المستشفى وحالتها متأخرة.. ومصاريف العلاج غالية قوي وأنا مش قادرة عليها. جوزي سابني لما عرف تاريخ عيلتي، وأنا شغالة بمرتب يدوب بيكفيني أعيش.. جيت أطلب منك تسامحي، وتساعدينا.. عشان خاطر بابا على الأقل.
لما جابت سيرة آرثر حسيت ببرود تام. بصيت لها وقولت أنا مش زعلانة منك يا ليلي، ولا شايلة حقد ليكي ولا لأمك.. أنا عديت المرحلة دي من زمان. بس المساعدة اللي بتطلبيها عشان خاطر بابا دي مش هتحصل، لإن الراجل ده ملوش رصيد عندي عشان أدفع عشانه.
ليلي وطت راسها وعيطت بحرقة.
فتحت الدرج، طلعت دفتر الشيكات، وكتبت مبلغ كبير يغطي مصاريف المستشفى وزيادة، وقطعت الشيك وحطيته قدامها المنحة دي.. عشان أمك متموتش من غير علاج، وعشان الإنسانية اللي أبوكي مكنش يعرف عنها حاجة. خدي الفلوس دي يا ليلي، ودي هتبقى آخر مقابلة بيننا.. صلتكم بالبيت ده وبحياتي اتقطعت من سنين، ومش هترجع.
ليلي بصت للشيك ومسحت دموعها، قامت وقفت وبصتلي بنظرة فيها ندم حقيقي شكراً يا ديان.. أنتي فعلاً طلعتي أحسن مننا كلنا. أنتي اللي صونتي اسم عيلتنا، وإحنا اللي هدّيناه.
خدت الشيك ومشيت. قفلت الباب وراها، وبصيت من الشباك وأنا شايفاها بتبعد في الشارع.
مستغربتش نفسي إني ساعدتها.. أنا مسعدتهاش ضعف، أنا ساعدتها عشان أثبت لنفسي وللدنيا إن الفخ اللي هما عملوهولي زمان مقدرش يغير قلبي ولا يخليني شبههم. أنا كبرت، ونجحت، وبقيت قوية كفاية إني أدي من غير ما أستنى حاجة من حد.
رجعت لمكتبي، كملت شغلي، والابتسامة مش مفارقة وشي. الحكاية خلاص اتقفلت بكل فصولها.. ومبقاش فاضل