ماشية على كورنيش إسكندرية وقت الغروب، وابنها الصغير نايم في عربته، والحاجة سامية ماشية جنبها ماسكة إيدها. لأول مرة من سنين، يارا كانت حاسة بالأمان. البحر قدامها كان هادي، والهوا بيلعب في شعرها، لكنها عمرها ما نسيت صوت الخبط اللي طلع من جوه النعش. الصوت اللي أنقذ حياتها. والصوت اللي كشف الحقيقة كلها. وفي كل ليلة، قبل ما تنام، كانت تبص لابنها بقوة، لأنها عرفت إن الإنسان ممكن يهرب من الموت بثانية واحدة لكن عمره ما يهرب من دعوة مظلوم، ولا من قلب أم حس إن فيه روح بتستنجد بيها من تحت التراب.
بعد الحكم على كريم، الناس افتكرت إن الحكاية خلصت، وإن الشر اتحبس ورا القضبان وانتهى كل شيء، لكن الحقيقة إن الكوابيس الحقيقية ليارا بدأت بعد ما خرجت من المستشفى. لأنها كل ما كانت تغمض عينيها، كانت تسمع نفس الصوت صوت الخبط المكتوم جوه النعش. كانت تقوم مفزوعة في نص الليل، تتنفس بصعوبة، ابنها بقوة لدرجة تخوف الحاجة سامية نفسها. والولد الصغير، اللي سمّته آدم، كان كل ما يعيط، قلبها يقع وهي تتخيل إن حد جاي ياخده منها تاني. البيت اللي كانت عايشة فيه بقى عامل زي المقبرة. كل ركن فيه كان فيه ذكرى وجع. الكنبة اللي كريم كان يقعد عليها يراقبها
وهو ساكت، المراية اللي كانت تخبي قدامها الكدمات بالمكياج، وحتى المطبخ اللي كانت تطبخ فيه وهي حامل وبتعيط لوحدها. في يوم، دخلت أوضة النوم لأول مرة بعد شهور، ووقفت قدام الدولاب. ريحة برفان كريم لسه موجودة. جسمها كله ارتعش، ووقعت على الأرض وهي بتحاول تتنفس. الحاجة سامية جريت عليها ، لكن يارا كانت بتصرخ كأنها لسه مدفونة تحت التراب كان عايز يدفنّي وأنا سامعاه! كنت سامعة صوت التراب برا النعش! الحاجة سامية فضلت تبكي معاها بالساعات، لأنها لأول مرة تتخيل الرعب الحقيقي اللي عاشته البنت دي. يارا بدأت تفتكر تفاصيل أكتر. قبل الولادة بيومين، كريم دخل الأوضة بالليل وقعد جنبها بهدوء غريب. لأول مرة ماصرخش فيها ولا اتخانق. حتى جاب لها عصير بإيده. يومها استغربت، لكنه فضل يبص لبطنها ويقول كل حاجة هتخلص قريب. لما شربت العصير، نامت بسرعة بطريقة مرعبة، وصحيت بعدها في المستشفى وهي مش قادرة تحرك جسمها كويس. وقتها افتكرت إن طعم العصير كان غريب. الكلام ده خلا الشرطة تفتح التحقيق من جديد، لأن احتمال إن كريم بدأ تخديرها قبل دخول المستشفى بوقت كان وارد جدًا. لكن المفاجأة الأكبر حصلت بعد شهرين، لما محامي كريم طلب استئناف الحكم، وقال إن فيه شاهد
جديد هيقلب القضية. يوم الجلسة، القاعة كانت مليانة، ويارا دخلت وهي ماسكة إيد الحاجة سامية، لكن أول ما الشاهد دخل، الدم اتجمد في عروقها. كانت الممرضة داليا. نفس الممرضة اللي يارا افتكرت إنها حاولت تساعدها. داليا دخلت وهي منهارة ووشها شاحب، وقالت قدام المحكمة أنا كنت شريكة. القاعة كلها اتقلبت همس وصريخ، لكن داليا كملت وهي بتعيط كريم دفعلي فلوس كتير وقال إن يارا مريضة نفسيًا وإنه بيحمي ابنه منها. وأنا صدقته. ساعدتهم يحقنوها بالمهدئات. لكن لما شفتها وهي بتصحى جوه النعش عرفت إننا وهي حية. يارا حست الدنيا بتلف حواليها. كانت فاكرة إن أسوأ حاجة حصلت وانتهت، لكن كل مرة الحقيقة كانت تبقى أبشع. داليا اعترفت كمان إن الطفل ماكنش مات أبدًا، وإن كريم كان مخطط يعلن وفاة الطفل والأم مع بعض علشان يختفي آدم بسهولة. لكن اللي خرب الخطة إن قلب يارا قاوم المخدر، وفضل ينبض ببطء لدرجة إن جسمها ما استسلمش للموت الكامل. بعد الجلسة، يارا خرجت منهارة، لكن المفاجأة اللي غيرت حياتها كانت لما الحاجة سامية قالتلها سيبِ البيت ده وتعالي نعيش بعيد. يارا استغربت. بعيد فين؟ الحاجة سامية سكتت شوية وقالت أنا بعت شقتي وهنسافر. وبالفعل، بعد أسابيع، سافروا
لمدينة صغيرة هادية على البحر. مكان محدش يعرفهم فيه. هناك، يارا بدأت تحاول تعيش من جديد. فتحت محل صغير لبيع الكتب والهدايا، والحاجة سامية كانت تقعد قدام المحل طول النهار تلعب مع آدم. الزباين كانوا يشوفوهم ويقولوا إنهم شبه أم وبنت فعلًا. لكن الماضي ماكانش بيسيبهم. في ليلة شتا، يارا صحيت على صوت تكسير إزاز. قلبها وقف. أول فكرة جت في دماغها إن كريم هرب. جريت ناحية أوضة آدم وهي بترتعش، لقت الشباك مكسور، وعلى الأرض حجر مربوط فيه ورقة. إيديها كانت ساقعة وهي بتفتحها. مكتوب فيها فاكرة إن الموضوع انتهى؟ الحاجة سامية اتصلت بالشرطة فورًا، لكن محدش عرف مين اللي بعت الرسالة. بعدها بأيام، يارا بدأت تلاحظ عربية سودا واقفة آخر الشارع كل يوم. ولما كانت تبص ناحيتها، العربية تتحرك. الخوف رجع ينهش روحها من جديد. لدرجة إنها بطلت تنام. وفي مرة وهي خارجة من المحل، لقت راجل كبير واقف مستنيها. قالها بهدوء إنتِ يارا؟ رجعت لورا بخوف، لكنه طلع بطاقة صحفية وقال أنا بحقق في بالأطفال اللي كان كريم شغال معاها. هنا عرفت إن كريم ماكنش لوحده. الصحفي قالها إن الشبكة فيها رجال أعمال ودكاترة وناس كبار، وإن فيه كتير اختفوا بنفس الطريقة. يارا كانت هترفض