ردت بسرعة خلت حتى العسكري اللي واقف يبصلها الموت راحة إنت محتاج تعيش بكل اللي عملته. وبعدها قامت ومشيت من غير ما تبص وراها. كانت دي آخر مرة تشوفه فيها. بعد الزيارة بأربع شهور، كريم مات في زنزانته بأزمة قلبية. الحراس قالوا إنهم لقوه ميت على الأرض، وصوابعه كلها مدمية كأنه كان بيحك الجدار بجنون قبل ما يموت. والأغرب إن آخر كلمة سمعوها منه كانت افتحوا النعش الخبر وصل ليارا وهي قاعدة مع آدم يذاكر. سكتت للحظة، وبعدين رجعت تكمل شرح كأنها سمعت خبر عن شخص غريب. آدم كان عنده تلتاشر سنة وقتها، وكان ذكي بشكل يخوف. بص لأمه وسأل بهدوء مات؟ يارا هزت راسها. فسأل السؤال
اللي كانت خايفة منه طول عمرها كنتِ بتحبيه؟ الصمت وقتها كان أطول من أي إجابة. الحاجة سامية بصت ليارا بقلق، لكن يارا أخيرًا قالت الحقيقة أنا كنت بحب الشخص اللي تمنيت يكون موجود مش الشخص الحقيقي. آدم سكت، وبعدين قرب منها . ده كسر آخر حاجة موجوعة جواها. لأنها لأول مرة تحس إن الماضي فعلًا خلص. بعد سنة، الحاجة سامية تعبت جدًا. السن كان أخد منها كتير، والقلب اللي شال الذنب والخوف والحزن سنين طويلة بدأ يضعف. في ليلة هادية، طلبت من يارا تساعدها تطلع البلكونة. البحر كان قدامهم، والهوا بيلعب في شعر آدم اللي بقى شاب صغير. الحاجة سامية بصت ليارا وقالت بابتسامة مرهقة
فاكرة أول يوم دخلتي بيتنا؟ يارا ضحكت وسط دموعها كنت خايفة منك. سامية هزت راسها وقالت وأنا كنت خايفة عليكي. سكتت شوية، وبعدين قالت بصوت ضعيف أوعِ تسيبي الوجع يحولك لنسخة منهم. يارا مسكت إيدها وباستها وهي بتعيط. لكن الحاجة سامية كملت آخر كلامها الإنسان مش بيتعرف وقت الحب الإنسان بيتعرف وقت ما يبقى قادر يؤذي، ويختار يرحم. بعدها بأيام، الحاجة سامية ماتت وهي نايمة بهدوء. ويارا دفنتها بنفسها. نفس المقابر نفس الطريق نفس ريحة التراب. لكن المرة دي ماكنش فيه خوف. وقفت قدام القبر بعد الدفن، والناس كلها مشيت، وهي فضلت لوحدها. الشمس كانت بتغيب ببطء، والهوا ساكت بشكل
غريب. فجأة سمعت صوت خطوات صغيرة وراها. آدم وقف جنبها، أطول منها تقريبًا دلوقتي، ومد إيده مسك إيدها. قال بهدوء تيتا كانت بطلة. يارا ابتسمت وسط دموعها وقالت آه أنقذت حياتي. آدم بص للقبر شوية، وبعدين سأل وإنتِ؟ يارا استغربت أنا إيه؟ قال وهو يضغط على إيدها مين أنقذك؟ يارا بصت للسماء الطويلة فوق المقابر، وخدت نفس عميق لأول مرة من سنين من غير خوف، وقالت أنا لما قررت أعيش. وفي اللحظة دي بالذات، فهمت الحقيقة اللي هربت منها عمر كامل إن الإنسان أوقات ما بينجوّش لما حد ينقذه، الإنسان بينجو لما يقرر، رغم الرعب والخذلان والليل الطويل، إنه ما يتحولش لقبر وهو لسه عايش.