رواية كاملة
منذ اللحظة التي عاد فيها زوجي إلى الحي يقود العجل الضخم استعدادًا لأضحية أول يوم من عيد الأضحى، تبدّل شكل الشارع كله.
تجمّع الرجال أمام المنزل يتفحصونه بإعجاب، بينما علت ضحكات الأطفال من الشرفات، وراحت النساء يتهامسن عن حجمه وسعره المرتفع. حتى الهواء بدا مختلفًا، ممتلئًا برائحة العيد التي افتقدتها منذ سنوات.
كان الجميع يتحدث عن الأضحية التي سيذبحها زوجي صباح أول يوم عيد الأضحى، وكأنها حدث كبير في الحي كله.
وقفت أراقبه من النافذة وقلبي يفيض بشعور نادر بالطمأنينة.
قلت لزوجي بهدوء وأنا أبتسم
لا تنسَ أن تخصّص جزءًا طيبًا لأهلي بعد ذبح الأضحية أول يوم العيد والدي كان يتحدث منذ أيام عن شوقه للحمة الأضحية.
لم أطلب الكثير.
كيلوين فقط.
لكن قبل أن يجيبني، جاء صوت حماتي من خلفي حادًا كصفعة
أهلك؟ لن يأخذوا شيئًا.
استدرت نحوها غير مصدقة.
كانت تقف عند باب المطبخ، تشدّ طرف عباءتها بعصبية، ثم قالت بنبرة باردة
سيأتون أول يوم العيد، يأكلون معنا من الأضحية وينصرفون. أما أن يخرج شيء من لحم الأضحية إلى بيتهم فهذا لن يحدث.
ساد صمت ثقيل.
حتى زوجي بدا مرتبكًا، لكنه لم يتكلم.
ابتلعت إهانتي وقلت
إنه مجرد جزء بسيط يا خالة
قاطعتني بحدة
البسيط يتحول إلى كثير. اليوم أهلك، وغدًا إخوتك، وبعده أقاربك جميعًا. هل
كانت كلماتها تُقال أمام الجيران الواقفين عند الباب، وأمام رجال الحي الذين جاؤوا لمساعدة زوجي في ربط أضحية العيد.
شعرت بحرارة وجهي تشتعل خجلًا.
لكن ما مزقني حقًا
هو صمت زوجي.
دخلت غرفتي بصعوبة، أحاول إقناع نفسي أن الأمر لا يستحق البكاء، لكن صورة أبي لم تفارقني.
تذكرت كيف كان يعود كل عيد أضحى محمّلًا بأكياس اللحم، يطرق أبواب المحتاجين قبل أن يدخل بيته.
كان يقول دائمًا
الخير الذي يبقى حبيس البيت يموت.
جلست على حافة السرير أمسح دموعي، حين فُتح الباب ببطء.
ظننت أن زوجي جاء ليعتذر.
لكنها كانت حماتي.
دخلت وأغلقت الباب خلفها بعناية، ثم قالت بصوت منخفض أربكني أكثر من صراخها
يبدو أنكِ لم تفهمي مكانتك هنا بعد.
نظرت إليها مذهولة
ماذا تقصدين؟
اقتربت خطوة وقالت
هذا البيت بيت ابني وكل ما فيه ملك له. حتى الأضحية التي ستُذبح صباح العيد، أنتِ لا حق لكِ في تقرير أين يذهب لحمها.
توقفت أنفاسي.
كانت تعلم جيدًا أنني أقضي سنوات بين الأطباء والتحاليل والعلاج، وتعلم كم يحطمني الأمر كل ليلة.
ومع ذلك قالتها ببرود قاتل
وما دمتِ لم تُنجبي ولدًا يحمل اسم ابني فلا تتصرفي وكأن لكِ كلمة هنا.
وفي تلك اللحظة، انفتح الباب فجأة.
دخل زوجي.
تعلقت عيناي به فورًا، كالغريق الذي ينتظر النجاة.
قلت بصوت مرتجف
سمعت
نظر إليّ طويلًا، ثم أشاح بوجهه.
ولثوانٍ شعرت أن العالم كله معلّق بكلمة واحدة منه.
لكنه قال بهدوء
أمي محقة في أمر واحد تكاليف أضحية العيد هذا العام كانت كبيرة فعلًا.
حدقت فيه غير قادرة على التصديق.
لم يكن يدافع عن المال
بل كان يتخلى عني أمامها.
وفي صباح اليوم التالي، كنت أمر قرب الصالة حين سمعت حماتي تتحدث عبر الهاتف ضاحكة
بالطبع نصيب ابنتي محفوظ كاملًا من الأضحية الكبدة والضلوع أيضًا. ابنتي أولى من الجميع.
تجمدت في مكاني.
ابنتها؟
أي أخت زوجي؟
خرجت إليها وأنا أحاول السيطرة على ارتجاف صوتي
إذًا أخت زوجي ستحصل على نصيبها كاملًا من الأضحية بينما أهلي لا؟
رفعت حاجبها ببرود وقالت
ابنتي من دمي.
قلت بمرارة
وأهلي؟ ماذا يكونون إذًا؟
في تلك اللحظة خرج زوجي من غرفته.
نظرت إليه أنتظر أن ينهي هذا الذل كله.
لكنه قال جملة واحدة فقط
جعلتني أدرك أن الأمر لم يكن متعلقًا بلحم الأضحية أبدًا.
قال
والدتكِ لا تستحق أن يدخل بيتها شيء من أضحية هذا العيد بعد الذي فعلته بأبي قبل موته.
شعرت أن الأرض اختفت تحت قدمي.
لأن والدي ووالدته كانا قد توفيا منذ سنوات
ولأنني لم أسمع يومًا عن أي خلاف بين العائلتين.
لكن نظرة حماتي المرتعبة أخبرتني أن زوجي قال شيئًا لم يكن يجب أن يُقال أبدًا.
شعرتُ بأن الدم انسحب
حدّقت في زوجي غير قادرة على استيعاب ما قاله للتو.
قلت بصوت مرتجف
ماذا تقصد؟ ماذا فعلت أمي لوالدك؟
لكن حماتي تحركت بسرعة نحوه، وأمسكت ذراعه بعنف
اصمت! ليس الآن!
كانت تلك أول مرة أرى الخوف الحقيقي في عينيها.
أما زوجي فبدا كمن ندم فورًا على ما قاله، لكنه لم يتراجع.
بل نظر إليّ نظرة طويلة وقال
لأنكِ تستحقين أن تعرفي لماذا تكرهك أمي منذ أول يوم دخلتِ فيه هذا البيت.
تجمدت أنفاسي.
ثماني سنوات من الزواج
وثماني سنوات من البرود الخفي والنظرات الجارحة والتلميحات المسمومة.
كنت أظنها لا تحبني فقط.
لكن فجأة
بدا الأمر أكبر من ذلك بكثير.
صرخت حماتي
قلت لك لا تفتح الماضي!
لكنه تجاهلها تمامًا، ثم قال بصوت منخفض
أبويا ما ماتش موتة طبيعية.
شعرت برجفة تسري في جسدي.
اقتربت منه ببطء
ماذا تقول؟
ابتلع ريقه وقال
قبل موته بأسبوع، اكتشف أن والدتك كانت تزوره سرًا.
اتسعت عيناي بصدمة
أمي؟!
أومأ برأسه.
ثم أكمل
كان بينهما شيء قديم شيء لم يخبرنا به أحد.
شهقت حماتي
كذاب!
لكنه صرخ لأول مرة
أنا شفت الرسائل بنفسي!
ساد الصمت داخل الشقة.
حتى صوت الشارع اختفى فجأة من أذني.
شعرت وكأنني أقف داخل كابوس.
قال زوجي وهو يضغط على أسنانه
يومها أبي خرج من البيت بعدما تشاجر مع أمي بعنف وبعد ساعات وجدوه ميتًا داخل
همست بصعوبة
الجميع قال إنها أزمة قلبية
نظر إليّ مباشرة
لأن التقرير الحقيقي