رواية كاملة
اختفى.
ارتجفت يداي.
أما حماتي فجلست على الأريكة فجأة وكأن قدميها لم تعودا تحملانها.
ثم قالت بصوت مكسور
كنت أحاول أحميكم
التفتنا إليها جميعًا.
رفعت رأسها ببطء، وكانت تبكي لأول مرة منذ عرفتها.
وقالت
أمكِ لم تكن عشيقة لزوجي
حبست أنفاسي.
ثم همست
كانت شاهدة على قتله.
شعرت أن قلبي توقف.
صرخت
ماذا؟!
أغمضت حماتي عينيها وقالت
في الليلة التي مات فيها زوجي اتصل بوالدتكِ وطلب أن تقابله. كان خائفًا وقال إنه اكتشف شيئًا خطيرًا يتعلق بشريكه في التجارة.
ثم بدأت تبكي أكثر
والدتكِ كانت آخر شخص رآه حيًا.
تراجعت خطوة للخلف.
كل شيء داخل رأسي بدأ ينهار.
قال زوجي بمرارة
وبعد موته مباشرة اختفت الملفات وسكت الجميع.
همست
وأمي؟
نظر إليّ طويلًا قبل أن يقول
ماتت بعد سنة واحدة فقط قبل أن تتكلم.
شعرت بدوار عنيف.
لأن أمي فعلًا ماتت فجأة.
ولأنني تذكرت شيئًا مرعبًا في تلك اللحظة
ليلة وفاة أمي
سمعتها تبكي وهي تقول عبر الهاتف
سامحني أنا ما كانش قصدي حد يموت.
لكنني كنت صغيرة وقتها، ولم أفهم شيئًا.
اقتربت من حماتي وأنا أرتجف
هل كنتِ تعتقدين أن أمي السبب؟
أخفضت رأسها بصمت.
ثم قالت
حاولت أصدق إنها بريئة لكن بعد موتها اختفى كل شيء. الحقيقة الملفات حتى الرسائل.
تدخل زوجي فجأة
وفي الأسبوع الماضي فقط عرفت إن في شخص رجع يفتح الملف من جديد.
نظرت إليه
من؟
أخرج هاتفه ببطء.
ثم فتح صورة قديمة جعلت جسدي كله يتجمد.
كانت صورة لأمي
تقف بجوار والده.
وخلفهما رجل ثالث تم شطب وجهه بالكامل بالحبر الأسود.
وقال زوجي بصوت مرعب
الرجل ده حضر مبارح يسأل عنكم قبل العيد بيوم.
وفي اللحظة نفسها
رن جرس الباب.
نظرنا جميعًا نحو الباب بصمت.
ثم جاء صوت رجل عجوز من الخارج يقول
افتحوا أنا جاي أرجّع الأمانة اللي أم المرحومة خبّتها قبل ما تموت.
تجمدنا جميعًا في أماكننا.
حتى حماتي رفعت رأسها فجأة، وقد اختفى اللون من وجهها.
عاد الرجل يطرق الباب ببطء، ثم قال بصوت متعب
أعرف أنكم خائفون لكني انتظرت سنوات طويلة قبل أن آتي.
نظر زوجي إليّ بتوتر، ثم اتجه نحو الباب بحذر.
وحين فتحه
ظهر رجل مسنّ، يرتدي جلبابًا رماديًا ويحمل حقيبة جلدية قديمة بين يديه.
كانت عيناه مرهقتين، لكن فيهما شيء مخيف
شيء يشبه الذنب.
دخل ببطء، ثم نظر مباشرة إلى حماتي وقال
لم أتوقع أن أراكِ حيّة حتى الآن يا أم خالد.
شهقت حماتي
أنت؟!
همس زوجي
تعرفينه؟
أجاب الرجل وهو يجلس بصعوبة
للأسف أعرفكم جميعًا أكثر مما تتخيلون.
ثم وضع الحقيبة فوق الطاولة.
وقال
قبل موت أم زوجتك بثلاثة أيام، جاءت إليّ ليلًا وهي تبكي. أعطتني هذه الحقيبة وقالت إذا متّ سلّمها لابنتي يوم تشعر أن الخطر عاد من جديد.
شعرت برجفة تسري في ظهري.
الخطر عاد؟
فتح الرجل
وفي الداخل
كانت هناك ملفات قديمة، وصور، ومسجل صوت صغير.
لكن الشيء الذي خطف أنفاسي
كان ظرفًا مكتوبًا عليه اسم أمي بخط يدها.
ناولني الرجل الظرف.
ارتجفت أصابعي وأنا أفتحه.
وفي الداخل وجدت رسالة قصيرة
إذا كنتِ تقرئين هذا الآن فاعلمي أن والدكِ لم يمت كما أخبروك.
شعرت أن الأرض تميد بي.
رفعت رأسي بصدمة
أبي؟!
قال الرجل العجوز
نعم لأن الرجل الذي مات في السيارة لم يكن والد زوجك فقط.
توقفت أنفاس الجميع.
ثم أخرج صورة أخرى من الحقيبة.
صورة قديمة تجمع ثلاثة رجال.
والدي.
ووالد زوجي.
والرجل الذي شُطب وجهه بالحبر الأسود.
قال العجوز
كانوا شركاء في تجارة واحدة لكنهم اكتشفوا أن شريكهم الثالث يسرق أموالًا ضخمة ويغسلها لصالح رجال خطرين.
ابتلعت ريقي بصعوبة.
ثم أكمل
ليلة الحادث، قرر والدكِ ووالد زوجك مواجهة ذلك الرجل لكن واحدًا فقط خرج حيًا.
شهقت
من؟!
ساد الصمت للحظة.
ثم قال
الشريك الثالث.
ارتجفت حماتي
يعني زوجي ما ماتش بحادث؟
هز الرجل رأسه بأسى
لا. قُتل.
شعرت أن قلبي سيتوقف.
همست
وأبي؟
أخفض الرجل عينيه وقال
اختفى بعد تلك الليلة. أمكِ كانت تعرف أنه ما زال حيًا لكنها أخفت الحقيقة لتحميك.
اتسعت عيناي بصدمة مرعبة
حي؟!
أومأ ببطء
الرجل الذي جاء يسأل عنكم قبل العيد لم يكن غريبًا.
ثم رفع عينيه نحوي وقال الجملة التي جعلت الدم
كان والدكِ.
ساد صمت ثقيل داخل الشقة.
شعرت أن الهواء اختفى.
والدي مات منذ عشرين سنة
هكذا كنت أعتقد.
لكن الرجل العجوز أخرج صورة حديثة من جيبه ووضعها أمامي.
وحين نظرت إليها
صرخت دون وعي.
لأن الرجل الموجود في الصورة
كان يقف صباح اليوم نفسه أمام بيتنا يتأمل أضحية العيد من بعيد.
وأنا رأيته فعلًا
لكنني ظننته مجرد رجل من الجيران.
لم أستطع التنفس.
حدّقت في الصورة ويدي ترتجف بعنف، بينما بدأت تفاصيل الصباح تعود إلى رأسي كالكابوس.
نعم
رأيته فعلًا.
كان يقف عند آخر الشارع وقت وصول العجل، يراقب البيت بصمت غريب، ثم اختفى قبل أن أنتبه له جيدًا.
حتى إنه ابتسم لي للحظة
ابتسامة قصيرة شعرت وقتها أنها مألوفة بشكل غير مفهوم.
رفعت عيني نحو الرجل العجوز وهمست
إذا كان أبي حيًا فلماذا تركني كل هذه السنوات؟
تنهد الرجل بحزن
لأنه كان يعتقد أنكم في خطر ما دام قريبًا منكم.
صرخت بانهيار
أي خطر أكبر من أن تعيش ابنته يتيمة عشرين سنة؟!
لم يجب.
لأن الحقيقة كانت أقسى من أي تبرير.
تدخل زوجي أخيرًا بصوت متوتر
أين هو الآن؟
تردد الرجل العجوز لثوانٍ.
ثم قال
كان من المفترض أن يقابلك الليلة لكنه اكتشف أن الرجل الثالث عاد للظهور.
شعرت بقشعريرة تسري في ظهري.
الرجل الذي قتل والدي ووالد زوجي
ما زال حيًا.
وفجأة، دوى صوت طرق عنيف على باب الشقة.
انتفضنا جميعًا.
لكن هذه المرة لم يكن الطرق هادئًا.
كان أشبه بإنذار.
تبادل زوجي والرجل العجوز النظرات بسرعة، ثم أطفأ الأخير المصباح القريب وهمس
لا