رواية كاملة
تفتحوا.
توقفت أنفاسي.
عاد الطرق أقوى، ثم جاء صوت رجل من الخارج
افتح يا خالد أعرف أنك بالداخل.
شحب وجه زوجي فورًا.
همست
من هذا؟
لكنه لم يجب.
فقط نظر نحو أمه، وكانت ترتجف بطريقة أكدت لي أنها تعرف الصوت جيدًا.
ثم فجأة
رن هاتف زوجي.
نظر إلى الشاشة، فتغير لونه بالكامل.
أمسكت ذراعه بخوف
من المتصل؟!
ابتلع ريقه بصعوبة ثم همس
أبي.
شعرت أن جسدي كله تجمد.
والده مات منذ سنوات.
أو هكذا كنا نعتقد.
ارتجفت يداه وهو يفتح المكالمة ببطء، ثم وضع الهاتف على السماعة.
وجاء الصوت
صوت رجل متعب ومبحوح
لا تفتحوا الباب لأنه هو نفسه الرجل اللي قتلنا زمان.
ساد الصمت داخل الشقة.
ثم تابع الصوت
وأنا تحت العمارة الآن.
شهقت حماتي بقوة وانهارت على الكرسي.
أما زوجي فكان يبكي دون صوت.
قال الرجل عبر الهاتف
سامحني يا ابني اضطررت أختفي طول السنين دي. كنت فاكر إنهم قتلوا صاحبك وأبوك وبقيت أنت الهدف الجاي.
صرخت
إذا كنت حيًا لماذا تركتنا نعيش في كل هذا الجحيم؟!
جاء صوته مكسورًا
لأن أي شخص يقترب مني يموت.
وفي اللحظة نفسها
انطفأت الكهرباء في الشقة كلها.
عمّ الظلام.
ثم سمعنا صوت تحطم الزجاج في الصالة.
وصوت خطوات ثقيلة دخلت البيت بالفعل.
صرخت حماتي
وصل!
أما الرجل العجوز ففتح الحقيبة بسرعة وأخرج مسدسًا قديمًا وهو
محدش يتحرك.
لكن قبل أن يفعل أي شيء
جاء صوت من الظلام.
صوت هادئ بشكل مرعب
عشرون سنة وأنتم ما زلتم لا تعرفون الحقيقة كاملة.
ثم أضاءت شاشة هاتف فجأة داخل الصالة
وكشفت وجه الرجل الذي شُطب بالحبر الأسود في الصورة القديمة.
كان يبتسم.
وقال الجملة التي قلبت كل شيء
المشكلة إن والدكِ لم يكن الضحية يا ابنتي
بل كان أول واحد خان الباقيين.
شعرت وكأن قلبي توقف تمامًا.
حدقت في الرجل الواقف وسط الظلام، بينما ضوء الهاتف المرتجف يكشف نصف وجهه فقط.
كان أكبر سنًا مما تخيلت
لكن نظرته كانت مرعبة.
هادئة أكثر مما ينبغي.
صرخت فيه
أنت قتلتهم!
ابتسم ببطء.
ثم قال
لو كنتُ القاتل فقط لكان الأمر أسهل بكثير.
تقدّم زوجي نحوه بعصبية
اخرس! أنت السبب في خراب عائلتنا كلها!
لكن الرجل ضحك ضحكة قصيرة باردة، ثم أخرج ملفًا سميكًا من معطفه وألقاه فوق الطاولة.
تناثرت الصور والأوراق على الأرض.
وفي ثانية واحدة
تغير كل شيء.
لأن الصور لم تكن عن صفقات أو أموال.
كانت صورًا لوالدي.
مع رجال آخرين.
وحقائب ممتلئة بالنقود.
وشحنات سلاح.
شعرت بدوار عنيف.
هززت رأسي بعنف
لا هذا مستحيل.
لكن الرجل قال بهدوء
والدكِ لم يكن رجلًا طيبًا كما أخبروكِ.
ثم انحنى والتقط صورة قديمة ووضعها أمامي.
وفيها ظهر والدي واقفًا بجوار أطفال
توقفت أنفاسي.
همست
من هؤلاء؟
نظر إليّ مباشرة وقال
أطفال كان يتم تهريبهم خارج البلد.
صرخت
كذاب!
لكن الرجل العجوز الجالس قرب الباب أغلق عينيه بألم.
وكأن الصمت نفسه اعتراف.
تراجعت خطوة للخلف.
لم أعد أعرف من أصدق.
والدي الذي بكيت عليه عمري كله
أم الرجل الذي أراه لأول مرة؟
قال الرجل بهدوء قاتل
حين اكتشف والد زوجك الحقيقة، هدد بإبلاغ الشرطة. أما والدكِ فاختار المال.
شعرت أن الدنيا تدور حولي.
أما زوجي فكان يحدق في الصور بصدمة حقيقية، وكأنه يسمع القصة لأول مرة هو أيضًا.
تابع الرجل
ليلة المواجهة، تشاجروا جميعًا. والد زوجك حاول الهرب بالمستندات لكن والدكِ هو من أطلق النار أولًا.
شهقت حماتي بقوة.
ثم بدأ الرجل يقترب مني ببطء.
وقال
والدكِ لم يختفِ خوفًا عليكم بل هرب بعدما خان الجميع وسرق الأموال.
ارتجفت شفتاي
لماذا يظهر الآن إذًا؟
ساد الصمت للحظة.
ثم قال
لأنه يحتضر.
تجمد الجميع.
ماذا؟
أخرج الرجل ظرفًا طبيًا من جيبه ورماه أمامي.
تقارير علاج.
وصور أشعة.
وتوقيع مستشفى.
سرطان في مرحلته الأخيرة. بقي له وقت قصير فقط لذلك عاد ليحاول إصلاح ما تبقى.
شعرت بشيء ينكسر داخلي.
كل حياتي بنيت على صورة أب مظلوم قُتل ظلمًا
وفجأة تحوّل إلى رجل هارب يحمل دمًا فوق يديه.
لكن السؤال
إذا كان أبي حيًا فأين هو الآن؟
نظر الرجل نحوي طويلًا.
ثم قال
تحت العمارة.
وفي اللحظة نفسها
سمعنا صوت طلقة نارية في الخارج.
تجمدت الدماء في عروقي.
ركض زوجي نحو الشرفة، بينما صرخت حماتي.
أما أنا
فلم أستطع الحركة.
اقترب الرجل ببطء من النافذة، ونظر إلى الشارع، ثم قال بصوت منخفض
يبدو أنه وصل متأخرًا مرة أخرى.
ركضت نحو الشرفة بجنون.
وفي الأسفل
كان هناك رجل ملقى قرب أضحية العيد.
والدم ينتشر ببطء تحت جسده.
لكن الصدمة الحقيقية
أن العجل نفسه كان قد تحرر من الحبال وسط الفوضى، ووقف بجواره يضرب الأرض بقدمه بعنف، بينما الناس تصرخ في الشارع.
وفي يد الرجل المصاب
كانت صورة قديمة لي وأنا طفلة.
وعندما رفع رأسه بصعوبة ونظر إليّ
عرفته فورًا.
كان أبي.
صرختُ باسمه دون أن أشعر.
ثم اندفعت نحو الباب كالمجنونة، بينما كان صراخ الناس يملأ الشارع، والعجل الهائج يدور بعنف قرب جسد الرجل الملقى على الأرض.
حين وصلت إليه، كانت الدماء تغطي قميصه بالكامل.
لكنه كان ما يزال حيًا.
ركعت بجواره وأنا أرتجف
بابا بابا بص لي!
فتح عينيه بصعوبة.
ولأول مرة منذ عشرين عامًا
رأيت وجه أبي الحقيقي أمامي.
لم يكن بطلًا.
ولا شبحًا.
ولا خائنًا كما وصفوه.
كان مجرد رجل محطم.
رفع يده المرتجفة ولمس وجهي
كبرتي
انهرت باكية.
أما الناس فبدأوا يبتعدون عن المكان، لأن العجل كان يضرب الأرض بعصبية كأنه يشعر بالفوضى والرعب المحيطين به.